نحن وأوربا - ج 1 - الفصل الثالث - العر ب قبل الإسلام
 
 


العرب قبل الإسلام

 

لقد أثبتت الأبحاث العلمية أن شبه الجزيرة العربية كانت معتدلة المناخ وأقل جفافاً مما هي عليه اليوم قبل ما يقارب  اثني عشر ألف سنة.  وهذا جزءٌ من ظاهرةٍ عالمية  متكررة بشكلٍ دوري.  ففي الوقت الذي بدأت منطقة مثل الجزيرة العربية في التحول نحومناخٍ أكثر دفئاً وأكثرجفافاً  كان الجليد المتراكم بشكلٍ دائم يذوب في إسكندينافيا ليحولها الى منطقة يمكن العيش فيها،  فاستوطنها الإنسان للمرة الأولى في التاريخ.

كانت هذه الظاهرة الطبيعية هي المحرك الأكبر للأحداث المهمة في الجزيرة العربية  التي تلت في عشرة الآلاف سنة التالية، ومن ضمنها  السلسلة الطويلة من الهجرات من الجزيرة الى الأقاليم الواقعة الى الشمال :  بلاد الشام وبلاد ما بين النهرين ومنطقة الجزيرة.

وتروي كتب الأحاديث النبوية حديثاً عن الرسول (ص) قوله: " لن تقوم الساعة حتى تجري الأنهار في جزيرة العرب كما كانت "  وهذا ما يتطابق مع النظريات العلمية من أن الوضع المناخي سوف يعود كما كان في جزيرة العرب والعالم، فهي ظاهرة دورية cyclic ، وتغطي معظم بقاع العالم.  على كل حال هناك الكثير مما يثبت صحة هذه النظرية مثل الحفريات ووجود بقايا مجاري أنهارٍ جافة، في بعض أجزاء الجزيرة العربية،  مثل وادي الدواسر وغيرها.

وقد كان التحول بطيئاً وتدريجياً، وكذلك كان النقص في الموارد والتحولات في أساليب الإنتاج وأنماطه، فتسبب النقص في الموارد  بالهجرات ت دريجياً وعلى شكل موجات غيرت تاريخ المنطقة.  وقد سبق الهجرة تحول من الزراعة الى تربية المواشي، ثم تحول الى حياة التنقل بحثاً عن الماء والكلأ، أي الى حالة البداوة.  فالبداوة ليست حالة موجودة منذ بدء الخليقة،   إنها ليست حالة بدائية كما يعتقد البعض، بل هي حلٌ إبداعيٌ لمشكلةٍ طبيعيةٍ كبيرة.  فهناك أبحاث علمية رصينة قام بها علماء جادون مثل  دوستال الذي ألف كتاباً حول الموضوع بعنوان "تطور الحياة البدوية" The Evolution of Beduin Life .  والذي يثبت فيه أن البداوة ليست حالة أصلية، إنما حالة مستجدة، نسبياً.  ويذهب بعض الباحثين الى الاعتقاد بأن التحول بدأ في القرن الأول بعد الميلاد، بينما يميل آخرون الى ربط التحول بسقوط دول الأنباط وتدمر في القرن الثالث للميلاد . [1]  ولاأظن أن هذا الطرح مقبول.  فلا شك أن الاعتقاد أن التبدي – أي التحول الى البداوة – أمر طارئ يبدومنطقياً، ولكنه يعود الى ازمنه أقدم من القرن الأول للميلاد.  فكثير من الرقوم تشير الى  مشاركة قبائل بدوية في حروب بعض الملوك تعود الى ما هوأقدم من ذلك بكثير، مثل ملوك سبأ.  إن المنطق يحتم أن التبدي ارتبط بالنقص التدريجي للموارد المتمثلة في المياة والمراعي، فاضطر السكان  للتخلي عن الزراعة وامتهان تربية المواشي اولاً، ثم التحول، ثانياً،  الى حياة التنقل، مع ما يصحب ذلك من تغيرات التحول الى السكن في الخيام واقتناء أوعية خفيفة وقليلة لسهولة التنقل.  والصحيح أن حياة التنقل لم تكن عشوائية،  فغالباً ما كانت بين موقعين بشكلٍ منتظم كل عام.  وقد يكون أحد الموقعين قرية مبنية من الحجارة والطين والثاني عبارة عن مضرب خيام، يظهر في بعض أشهر السنة ثم يختفي.  وقد لاحظت هذه الظاهرة في المنطقة الواقعة بين تكريت وكركوك في العراق،  وقد لاحظت وجود مقبرة على تلة قريبة من المضارب،  قيل لي أنها يدفن فيها من يموت من أبناء هذه القبيلة أثناء وجودهم في هذه المراعي، الأمر الذي يعني انتماءً من نوعٍ معين لكلا المكانين.  إن نمط البداوة جعل من البدوأشخاصاً ذوي قابلية عالية على التأقلم والتطور.  

كما أني أعتقد أن مرحلة التبدي  سبقت مرحلة الهجرة الى خارج الجزيرة.  فالتبدي حل محلي لنقص الموارد، أما الهجرة فهي حل أكثر من محلي، يتطلب قطع مسافات كبيرة والانتقال الى إقليمٍ مختلف تماماً، وينجم عن نقصٍ أشد  في الموارد ( كما يحصل في بعض السنين نتيجةً للمحل ) اوازدياد في السكان ،  فتأتي الهجرة كحلٍ جذري، بحيث يتم التخلي عن البداوة كليةًً بالاستقرار ( كمربي مواشي أولاً ) والتحول تدريجياً الى الزراعة، ثم الى التجارة، [2]   وفي بعض الحالات إقامة دول. 

وكان من بين أول ما سجله التاريخ من هجرات من الجزيرة العربية هي هجرة  الأكاديين  في حدود القرن الخامس والثلاثين  ق.م.  في بعض الروايات.  والذين انتشروا بين السومريين، الذين لم يكونوا شعباً سامياً.  وعرف الأكاديون فيما بعد باسم البابليين . [3]   فلا يعرف أحد متى بدأت حركة الهجرة على وجه التحديد، فلا بد من أنه كان هناك حالات لم توثق تاريخياً، أي متى بدأت  الموارد المتوفرة بالنضوب في الجزيرة، بحيث أصبحت غير كافية لسكانها، ولكن هناك اعتقاد أن الهجرات بدأت قبل ذلك بكثير، ربما بألفي عام اوأكثر قليلاً.  فمن المعروف أن السبب الأكبر للهجرات الجماعية هواختلال التوازن بين الموارد المتوفرة وعدد السكان في رقعةٍ جغرافيةٍ محددة.

وكان الأموريون أول شعب سامي  يهاجر الى سوريا، وقد كان ذلك في حدود القرن الثالث والعشرين قبل الميلاد. [4] وكانت الهجرة الثانية كنعانية بنفس الوقت تقريباً. 

هناك مصادر متعددة لتاريخ الجزيرة العربية في هذه الفترة.  ومن بينها الرقوم العربية التي تم الكشف عنها في خمسينات القرن العشرين في الجنوب، وتلك التي اكتشفت في أوائل القرن العشرين وأواسط القرن التاسع عشر في الشمال.  وهذه الرقوم تحتوي على معلوماتٍ مقتضبه، وبعضها تعرض للتلف، إلا أن عددها الكبير يجعلها مصدراً مهماً. [5] وقد تمكنت بعثة أميركية في عامي 1949 – 1950 من اكتشاف نحو ستة آلاف من هذه الرقوم. [6] ومن المصادر المهمة ما يُعرف باسم "الأخبار" وهي وإن لم تتعدَ كونها قصصاً وحكايات، إلا أنها يمكن الإفادة منها كمصادر للتاريخ.  كما أن هناك بعض مصادر عربية مسيحية وسريانية، من حوليات وتواريخ كنسية، معظمها لرحالة ورجال دين وسفراء.  وابتداءً من نهاية القرن الهجري الأول بدأت حركة تدوين تاريخي نشطه،  ولم يقتصر ذلك على تغطية الفترات المعاصرة، وإنما تعمدت تغطية تاريخ المنطقة منذ بدء الخليقة وإن جعلها ذلك تلجأ الى مصادر لا يجوز الإعتماد عليها.  ومع هذا شكلت مصدراً قيماً للتاريخ بمراحله المختلفة.

وكما يمكن العثور على معلوماتٍ ليست بالقليلة عن العرب في المصادر اليونانية  واللاتينية، التي إتسمت بمهنية عالية عموماً.  " ولقد ورثت بيزنطة كل الغرور والصلف اللذين اتصفت بهما روما من قبل، حين عدت جميع  شعوب الشرق من البرابرة بما فيهم الفرس أنفسهم، علماً بأن الفرس لم يكونوا أقل من الرومان تمدناً، بل إنهم فاقوهم في الكثير من المجالات. لذا لم يكن غريباً والحالة هذه أن بدت لهم القبائل العربية غير جديرة بالاهتمام". [7] ومع هذا فهناك إشارات قيمة الى قبائل عربية ومشاركات عربية في بعض الحروب اوالنشاطات التجارية في بعض المدونات.  كما ورد هناك ذكرٌ للعرب في النقوش  الفرعونية والآشورية والبابلية، يعود الى عهودٍ أقدم من ذلك.       

أُطلق على الشعوب التي هاجرت من الجزيرة العربية اسم الشعوب السامية، مثل البابليين والآراميين وغيرهم، بينما احتفظ المتبقون في الجزيرة العربية باسم العرب، وفي هذا مفارقة يرفضها بعض الباحثين.  ففي مراحل لاحقة، بدأ العرب المهاجرون من الجزيرة بإلاحتفاظ بتسميتهم وهويتهم كعرب،  مثل الأنباط  والتدمريين والقبائل التي استوطنت في الهلال الخصيب مثل تغلب وشيبان وكلب  وجذام. 

وقد ظهرت كلمة عرب كمسمى يطلق على مجموعةٍ من البشر في بعض السجلات الآشورية في حدود القرن التاسع قبل الميلاد، وقد ظهرت على شكل عريبي وعرابا وعرابايا.  وقد تكررت في عدة نقوش على مدى مائة وخمسين سنة، يشير كلٍ منها الى اسم ملك لعريبي، الأمر الذي دعا إلى الاستنتاج أن عريبي هذه، عبارة عن مملكة تعاقب على حكمها عدة ملوك. [8]   ولم تطلق على سكان البادية كما اعتقد بعض الباحثين.  كما كان للعرب ذكرٌ في تاريخ هيرودوت اليوناني في القرن الخامس قبل الميلاد.  وكذلك في كتاب جغرافية بطليموس وردت  مرة على شكل Arabia Desertea   ومرة Arabia Petraea ومرة Arabia Felix ، وتشير على التوالي الى البادية العربية ومنطقة الأنباط واليمن. والأخيرة تعني العربية السعيدة، وهذا وصفٌ  له دلالاته على ما كانت عليه المنطقة من رخاء، وخاصة جنوب الجزيرة.

 يعتبر العرب أنفسهم من ثلاث مجموعات ؛ الأولى العرب العاربة والثانية العرب المستعربة والثالثة العرب البائدة.

فالعرب المستعربة يُنسبون الى  نبي الله إسماعيل وينسبون تحديداً الى أحد أحفاده عدنان، فيسمون أيضاً بالعدنانيين، كما ينسبون الى نزار وهوحفيد عدنان اولمضر اوربيعة وهما ابنا نزار.  وهناك مصادر سريانية ويونانية تسمي العرب بالإسماعيليين . [9] أما العرب العاربة فهم ينتسبون الى قحطان الذي تنسب إليه القبائل اليمنية، والعرب البائدة هم من القبائل العربية القديمة والمندثرة مثل عاد وثمود وغيرهما المذكورتين في القرآن، واللاتي لم تعد موجودة كتشكيلات قبلية.  وهذا التصنيف يعني أن الأمة لا تدعي الانتماء الى جدٍ واحدٍ اوقبيلةٍ واحدة.  الأمر الذي أراح العرب، عبر العصور من عقدة النقاء التي تعاطتها بعض الأمم وعانت منها تمزقاً وتمييزاً.  فالعرب يقرون بسخف النقاء بادئ ذي بدء. وهذا ما جعل هذه الأمة أبعد ما تكون عن العنصرية طوال تاريخها. وكما تقدم فتقسم القبائل العربية الى قبائل عدنانية وقبائل قحطانية.  كما تسمى نزارية ويمنية، اومضرية ويمنية، فتنسب قبائل ربيعة في مضر على  الرغم من  أن ربيعة أخومضر وليس ابنه.  كما تسمى كثيرٌ من القبائل قيسية لانتسابها الى قيس بن عيلان بن مضر.

 

 

خريطة رقم 4

 

وقدعرفت كثير من الهجرات من القبائل اليمنية الى شمال الجزيرة والى منطقة الهلال الخصيب، مثل الأوس والخزرج التي استقرت في يثرب، والغساسنة الذين استقروا وأسسوا دولة في الشام.

لقد عرفت القبائل اليمنية تشكيلات اجتماعية سياسية أكثر رقياً، في الجنوب وفي الشمال، مما عرفت القبائل العدنانية.  فمن المعروف أنه لم يتوج عدناني إطلاقاً (ربما باستثناءٍ واحد وهوهوذا بن علي الحنفي) فبالإضافة الى دول سبأ وحمير الكبيرة في الجنوب تأسست دول في الشمال مثل دولة المناذرة والغساسنة وكندة، وكانت جميعاً قبائل يمنية، هذا بالإضافة الى دول أخرى أقل شأناً كانت قائمة أثناء الفتح الإسلامي في اليمن .

ويعزى هذا الى أن درجة التمدن في اليمن فاقت كثيراً ما كان عليه الوضع في الشمال.  فباستثناء بعض المدن، التي كانت أساساً مدن قوافل أي محطات  تجارية أوواحات يمارس بها بعض النشاط الزراعي، فإن كل  ما تبقى كان غارقاً في البداوة.  حيث يقتصر النشاط الاقتصادي على تربية المواشي والاتجار بها وبمنتجاتها.

وقد شكلت البداوة مقدمةً منطقيةً للهجرة، داخل الجزيرة بالتنقل، أو الى خارجها، كهجرة دائمة تنتهي عادةً بالتخلي عن البداوة.  وهذا ما انطبق على الأموريين، وكل هجرة تبعتها بما في ذلك هجرات العرب بعد الإسلام. 

لقد وصف شاعرٌ سومري هذه الحالة قبل اربعة آلاف عام :

 

بالنسبة للأموري السلاح هورفيقه

.. ولا يعرف الخضوع

وهويأكل لحماً غير مطبوخ

وفي حياته كلها لا يملك بيتاً

وهو لا يدفن رفيقه إذا مات

والآن مارتو يملك بيتاً

والآن مارتو لديه حبوب. [10]  

 

دول الجنوب

هناك كثيرٌ من المؤشرات التي تؤكد تشكل مؤسسة دولة في مرحلةٍ مبكرةٍ جداً في جنوب الجزيرة العربية.  لقد كان مجتمع جنوب الجزيرة، مجتمعاً زراعياً منذ فجر التاريخ.  ولم يكن مجتمع وفرة بنفس الوقت.  وفرة في الموارد المائية ووفرة في الأراضي القابلة للزراعة.  فمنذ بدء مرحلة التحول المناخي في الجزيرة العربية، أخذت الأراضي الزراعية بالتقلص نتيجةً للتصحر.  كما أخذت الموارد المائية بالنضوب.  فلم يتبق في شبه الجزيرة كلها سوى بعض الواحات المنتشرة هنا وهناك.  وتبقى أيضاً الجزء الجنوبي الغربي المطل على المحيط الهندي،  وينعم، بشكلٍ منتظم، بامطارٍ  موسمية.  وفي العموم من المعروف أن الحضارات – المرتبطة بتشكل دول - نشأت في أحواض الأنهار، دجلة والفرات والنيل والسند ( إندوس ).  وهذا مرتبط بضرورة يفرضها الواقع والحاجة،  الواقع هوواقع علاقات الإنتاج الزراعي، والحاجة الى من ينظم نقل وتوزيع المورد الأهم وهومياه الري، ويضمن استمرار تدفقها، ويقلل احتمال نشوب نزاعات من أجل الحصول عليها.  وقد أسرعت الدول بالظهور في الأماكن التي ظهرت فيها هذه الضرورة أبكر.  إن المجتمعات الزراعية القائمة في مناطق جبلية حيث تتوفر بعض الينابيع التي تكفي ما أمكن استصلاحه من منحدرات، لم تُبدِ احتياجاً شديداً لحكومة مركزية، وكانت عبر العصور، تكتفي بقيادة محلية على صعيد القبيلة اوعلى صعيد القرية لضمان أمن الأفراد والممتلكات. أما في مجتمعات الأنهار، حيث تُشق قنوات وتقام سدود لتوسيع الرقعة الزراعية، فوجود سلطة دولة ذات حضور قوي ضروري لاستمرار الحياة. وفي حال تعذر قيام هذه السلطة تندثر الحياة نتيجةً لتآكل المنشئات المائية وتقلص الأراضي القابلة للزراعة، الأمر الذي يؤدي الى تراجع عدد السكان. 

في جنوب الجزيرة ظهرت الحاجة الى إدارة مركزية بمرحلةٍ مبكرةٍ جداً.  وقد نجم عن ذلك حضارةً فريدة، تجلت في الأعمال الإنشائية العظيمة التي بقيت آثارها شاهدة.  ومن بينها السدود والقنوات والجسور والطرق والمباني المختلفة.  فقد يكون اليمنيون أول من بنى السدود وأول من بنى المباني العالية.  وتدل تكنولوجيا البناء هذه على قِدَم الحضارة اليمنية، حتى تتطور وتُراكم هذا الكم الكبير من الخبرات.  كما أن نوع المشاريع المتبقية آثارها،  ليست من النوع الذي يتولاه القطاع الخاص، بلغةٍ عصرية، فمن المعروف في زماننا أن القطاع الخاص لا يبني جسراً اوسداً، وإنما تقوم الحكومات بذلك.  " وهذه المشروعات الإروائية لم تكن مشروعات إروائية عادية، بل كانت مشروعات هندسية بارعة، يصح أن توصف بانها من أهم المشروعات العالمية في حينها، بل يصح أن توصف بأنها ثورة في عالم الهندسة والفكر". [11]

إن الأمر الفريد حول الحضارة اليمنية هوأنها لم تجاور أحداً لتنقل عنه، فحضارتها نابعة من ذاتها ولا بد أن تكون أقدم مما هومعروف.

اعتمد اليمنيون في بناء حياتهم المستقرة والمتحضرة على أساسين: الأول الزراعة في المرتفعات الممطرة، والأودية التي أُقيمت فيها السدود، والثاني هوالموقع الجغرافي الممتاز على البحرين العربي والأحمر والذي مكنهم من العمل بالتجارة. [12]

تعد الدولة المعينية أقدم الدول في جنوب الجزيرة العربية.  وقد قدر الباحثون ظهور هذه الدولة بحوالي سنة 1500 ق.م. استناداً الى دراسات أثرية. [13] وقد عثر الباحثون على نقوش وعملات احتوت أسماء 26 ملكاً.  وهذا ربما يدل على أن الدولة المعينية أقدم مما أشرنا.   إن ما خلفته من آثار " ليس مرتجلاً ،.. ولا بد أن يكون استمراراً لعهود سابقة ". [14] من المعروف أن معظم حضارات الشرق الأوسط قامت على هجرات من الجزيرة العربية.  ولا يوجد ما يثبت أن المهاجرين كانوا أكثر رقياً من السكان الذين حلوا عليهم.  فلوكان هناك ما يثبت ذلك، لما احتجنا جهداً إضافياً لإثبات أن دول الجنوب سبقت دول ما بين النهرين ووادي النيل.  ربما أنها سبقتها ولم تتفوق عليها. إن بعض الوقائع المتوفرة تثبت أنهم كانوا أقل تقدماً.  فالموجات السامية الأولى التي وصلت الى جنوب ما بين النهرين انتشرت في أرياف سومر، ولفت أفرادها النظر على أنهم جنود جيدون.  لم يكونوا بنائين جيدين ولا مزارعين جيدين، الأمر الذي يرجح خلفية رعوية متمرسة على الغزووالقتال، كما كان الحال قبيل الإسلام.  وهذا يبدومنطقياً،  فالتحولات التي نجم عنها التصحر وتناقص الموارد تدريجياً، نجم عنها أيضاً تحول الى البداوة، القائمة أساساً على التنقل بحثاً عن مراعي ومصادر مياه.  إن القبائل والجماعات التي كانت مستقرة في مزارعها، لم تكن مرشحة للهجرة.  إن القبائل التي انتهجت التنقل كنمط حياة هي المرشحة للهجرة، وهذه كانت أقل تقدماً، ولم يكن لديها الكثير لتقدمه عدا قدراتها القتالية وتضامنها.

وعودة الى الدولة المعينية، فإنها تركت آثاراً تدل على تقدم كبير في مجال الزراعة وفي مجال استصلاح الأراضي لغايات الزراعة.  كما أنها نشطت في مجال التجارة، فقد وجدت قطع من عملاتها في أنحاء مختلفة من الجزيرة العربية، وفي أجزاء من الشام.  لقد عرفت معين نظام حكم متقدماً نسبياً، فقد كان حكماً ملكياً ينتقل بالوراثة، ويسمح ببعض اللامركزية للولايات، كما كان هناك مجلس شيوخ يسمى " مسود ". وقد عرف المعينيون الكتابة، وعلى ما يبدوأنهم استخدموها على نطاقٍ واسع، كما يتضح من النقوش الكثيرة المكتشفة. [15]

قامت الدولة السبئية على أنقاض الدولة المعينية، وإن عاصرتها لبعض الوقت.  والثابت أن السبئيين حازوا على السلطة واستفردوا بها بقوة السلاح. وحصل هذا في القرن الثامن ق.م. وقد عُثر على أعدادٍ كبيرةٍ من الرقوم والنقوش والتي سجلت أحداثاً متنوعة حربية وعمرانية ودينية وسياسية، [16] فقد امتدت الدولة بأشكالٍ وأطوارٍ سياسية مختلفة لعدة قرون.  كما تداخلت مع وجود سياسي للمعينيين الذين ربما ظلوا يحكمون أجزاء من الجنوب العربي بالترتيب مع السبئيين.  كان ملوك سبأ يسمون بدايةً  " ذوصرواح "  أي صاحب الأمر، ثم تحولوا الى اسم "مكرب"، بعد اتساع سلطتهم ونفوذهم، ثم تسموا ملك سبأ، ثم ملك سبأ وذوريدان.  ويتضمن لقب مكرب الزعامة الدينية مضافةً الى الزعامة الساسية.

 

ذُكرت سبأ في العهد القديم وفي القرآن.  وتتفق الروايتان على زيارة ملكة سبئية   لعاصمة الملك والنبي سليمان.  يشكك بعض المؤرخين في هذه الرواية، لأنه لم يُعثر على اسم امرأة في قوائم حكام سبأ.  ويعتقد مؤرخون آخرون أن هذا ليس سبباً وجيهاً للتشكيك في الرواية فكثيرٌ من أسماء الحكام طُمست عن عمد، اوعن غير عمد.  فربما تكشف الأيام القادمة ما يُثبت صحة الرواية.  كما يمكن ان تكون هذه الملكة، التي لم تسمَّ في القرآن، بينما سميت في المأثورات العربية بلقيس، يمكن أن تكون زوجة الملك، اوأمه اوالوصية على العرش.  ومن المعروف أن كثيراً من الملكات مارسن الحكم فعلياً لأن وريث الحكم كان دون السن القانونية أولأسباب صحية.

كان لدى السبئيين مجلس شيوخ يسمى " عهرو"، وكان في الأقاليم والقبائل حكام يجبون الضرائب ويرسلون للحكومة المركزية حصتها، فقد كان نظاماً شبيهاً بالإقطاع الذي انتشر في العالم لاحقاً.  وقد كان هناك قبائل بدوية تدور في فلك الدولة السبئية، تشارك في حروبها [17] .

اهتم السبئيون بالري.  فأنشئوا القنوات والسدود والخزانات.  وقد احتل هذا الأمر مكانةً مرموقةً في جدول أولوياتهم.  فقد جاء في أحد النقوش : " إن المكرب ذمر أمر بتوسيع مدينة نشقم، وإصلاح الأراضي المحيطة بها، وتحسين نظام الري بها ". [18]   ألا يمكن أن يكون هذا خبراً في الصفحة الإقتصادية في إحدى الجرائد المعاصرة.؟  لقد كان سد مأرب  ذا شهرةٍ خاصةٍ عبر التاريخ، فبقاياه لا تزال موجودة، كما أن هناك إشارة إليه في القرآن، وله ذكر في أخبار العرب.  وقد كانت معظم السدود في اليمن مبنية  لحبس مياه الأمطار،  مما يجعلها أكثر إبداعاً. 

استمرت دولة سبأ لغاية القرن الأول قبل الميلاد، ثم استمرت تحت مسميات مختلفة.  وكما كانت أجزاءً من الحبشة تحت سيطرتها.

تشير كثرة النقوش المكتشفة والمتضمنة مرسومات ملكية وغيرها، الى نضوج ثقافة سياسية وإدارية وميل شديد للتوثيق. 

كان السبئيون يعبدون "المقة" وهوإله القمر.  وكانوا يشيدون له المعابد، ويقدمون له القرابين، ويوقفون لها الأوقاف، ويقوم على خدمتها سدنة متفرغون.  وكان الملك يشكل السلطة الدينية العليا في البلاد.  كما كان هناك آلهة أخرى تُعبد في جنوب الجزيرة، من قبل شعوب أخرى وفي أزمنة أخرى، مثل سين الذي هواسمٌ آخر للقمر. وعلى عكس عرب الشمال، كان عرب الجنوب يولون الدين أهمية كبرى، كأي مجتمعٍ زراعيٍ في العالم. 

وقد عاصرت الدولة السبئية في اليمن دولتان أُخريان، هما الدولة القتبانية ودولة حضرموت.  كانت عاصمة الدولة القتبانية في مدينة تمنا الواقعة في الجزء الغربي من اليمن. وكانت عاصمة حضرموت مدينة شبوة، التي وُجد فيها آثار تدل على حضارة عريقة.  وقد ذُكرت الدولتان في بعض المصادر اليونانية.  وتركت نقوش ورقوم كثيرة أعطت فكرة عن تاريخ الدولتين وأسماء ملوكهما، ووصف لبعض الأحداث.  كما كان هناك دول عديدة أقل شأناً.  في العام 276 م تسلمت قبيلة يمنية الحكم، وأصبح حكامها يسمون ملوك سبأ وذوريدان وحضرموت ويمنت، ولكن دولتهم اكتسبت اسماً آخر،  وهودولة حِمير، وذلك لأن القبيلة التي استلمت السلطة تحمل هذا الاسم، اوربما لأن اسم الدولة قد أصبح طويلاً جداً. 

حكم خمسة عشر ملكاً من هذه القبيلة، ترك جميعهم ذكراً مخلداً في نقوش كثيرة دونت نشاطاتهم العسكرية والقوانين التي أصدروها والمشاريع التي نُفذت في عهودهم.  كما عثر على قطع عملة كثيرة تظهر عليها أسما}هم وصورهم .

في العام 525 م انتهى حكم حمير، عندما هاجم الأحباش اليمن وأسسوا دولتهم فيها.  كان آخر ملوك حمير هو ذونواس.

 

مأساة ذي نواس

في العجالة السابقة تطرقنا باختصار شديد الى ديانات أهل اليمن في زمن سبأ وحمير. وكيف كانت عبادة القمر، بغض النظر عن تسميته، هي العبادة السائدة.  وما كان هذا ليدوم.  فقد وصلت الديانات السماوية الى اليمن.  واعتنق ذونواس، أحد ملوكها، اليهودية.  وكانت المسيحية قد وجدت مكاناً لها في نجران، وأصبح المؤمنون بها في تزايد. ولا غرابة في ذلك، فقد كانت جالية يهودية تتكون من عدة قبائل تقطن يثرب أقل من 500 كلم الى الشمال، كما كانت المسيحية قد انتشرت إنتشاراً واسعاً بين الكثير من القبائل العربية، وكانت الحبشة المجاورة يدين بها الملك والشعب. وكان التبشير قد أصبح عملاً منظماً،  فتروي كتب السير أن رجلاً صالحاً وصل الى شمال اليمن حيث هدى الله على يديه عدداً كبيراً من أبناء نجران. 

لم يرق الأمر لذي نواس الذي بدأ باضطهاد المسيحيين.  وتروي الروايات أنه أمر بحفر خندق ( أُخدود ) وطلب أن توقد ناراً كبيره فيه،  وهدد بإلقاء من لا يرتد عن دينه في النار، وعلى ما يبدوأنه نفذ تهديده، والقى أعداداً كبيرة منهم فيها، حدث هذا سنة 523 م.  إلا أن أحد الناجين، كما تقول بعض الروايات،  تمكن من الوصول إلى القسطنطينية، حيث كان جستين يحكم كإمبراطور.  وهذا، عملياً لم يكن ضرورياً،  فكان يكفي أن تصل شكواه الى أقرب حاكم روماني في أيلة مثلاً، اوفي جزيرة يوتوبا لوكان سفره بحراً. والذي بدوره سينقل الخبر الى العاصمة بالوسائل المتبعة في تلك الأزمنة.  كانت علاقات الإمبراطورية الرومانية مع دولة الحبشة قوية، فقد جمعتهما عقيدةٌ واحدة،  وسجل التاريخ سفارات بين العاصمتين أُرسلت لأسباب أقل شأناً من هذا.  ولا نعرف بذكر كتب التاريخ الرومانية اوالحوليات سفارة أُرسلت بهذا الخصوص.  ومع هذا فلا يمنع الأمر أن يكون الإمبراطور وحامي العقيدة، قد أرسل، فعلاً،  الى ملك الحبشة يطلب منه الانتقام لشهداء العقيدة.  لم تتطرق أي من الروايات الى احتمال ذهاب الناجي الى الحبشة، على قربها.

على أن الحدث يجب أن لا ينظر إليه كقضية مزاجية.  فقد كانت دولة حمير ضحية أخرى من ضحايا الصراع الروماني الفارسي.  وما كانت لتُتْرك محايدة.  فهناك ذكر لمبعوث للإمبراطور جستين الى الحبشة وملكها الإصبحة الذي كان يحكم في إكسوم، وإلى واليه على اليمن أيضاً والذي تسميه المصادر الغربية سميفع ( وهواسم لا يشبه اسمه العربي على الإطلاق وهوإرياط ) يحضهما لشن هجوم على الأراضي الفارسية.  حيث كانت الجيوش الفارسية تضغط بضراوة على الجيوش الرومانية بعد أن وصلت الى إنطاكية، [19] كما أن هناك رواية أخرى تعطي مؤشراً على أن الروم ساهموا بصنع الأزمة.  إذ تذكر أن الإمبراطور الروماني جستين الأول  بعث الى ملك الحيرة، خلال إحدى فترات الهدوء النادرة بين الطرفين، يحرضه على المونوفيزيين والنساطرة الموجودين في عاصمته الحيرة وما حولها من أديرة وبيع.  مما جعل بعضهم يهاجر فعلاً الى نجران حيث كانت هناك جالية مسيحية كبيرة، تتبع مذاهب متعددة تعيش بسلام، الأمر الذي جعل ذا نواس يحس بالخطر، وخاصة أن المذهب السائد في الحبشة كان المونوفيزية. فلوصحت هذه الرواية، لما صحت رواية الاستنجاد بالروم.  بل أغلب الظن أن الأحباش تحركوا بوازعٍ  داخلي عندما علموا بما حصل.

وهكذا كان، فأرسل نجاشي الحبشة، كما كان ملك الحبشة يسمى جيشاً بقيادة أرياط، أحد قواده،  لاحتلال اليمن.  وعلى ما يبدو، لم يكن هذا ليحتاج الى كثيرٍ من الإعداد، فقد اعتاد الأحباش واليمنيون تبادل الإحتلال، وقد حصل لا أقل من خمس اوست مرات في الخمسة عشر قرناً السابقة.  لم يكتف ذونواس بأن كان الملك العربي الوحيد الذي تعرض للمسيحيين بالاضطهاد في دولته ( قبل زمانه وبعده ) بل دفعه صلفه الى أن يرسل الى ملك الحيرة، الملك المنذر، يحرضه على اضطهاد المسيحيين في بلاده. وقد خلد المؤرخ المعاصر شمعون الأرشمي الواقعة حيث ذكر أن المنذر  جمع أعيان المسيحيين في الحيرة،  وأخبرهم بما جرى في اليمن، وطلب منهم ترك دينهم وحاول أن يتهددهم فرد عليه أحد الأعيان رداً قوياً ومؤثراً، حيث قال أنهم اعتنقوا المسيحسة منذ زمنٍ بعيد وليس هناك ما يدعونا لترك ديننا.  فصاح المنذر " أتجرؤ على الكلام أمامي ؟. "  فرد عليه أنه مستعد للقتال حتى الموت من أجل عقيدته ما دام " سيفه ليس أقصر من سيوف الآخرين "  ولكن المنذر تركه ولم يفعل شيئاً، ولم يسجل التاريخ أنه غير سياسته المتسامحة، وبقيت الحيرة ملاذاً آمناً للمضطهدين من أتباع المذاهب المرفوضة رومانياً. [20]

هذه الواقعة مذكورةٌ في القرآن، ومشهورة بالموروث الإسلامي باسم حادثة الأخدود.  وقد نزل بذلك آياتٌ من القرآن : " قُتل أصحاب الأخدود، النار ذات الوقود، إذ هم عليها قعود، وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود،  وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد". [21]

في العام 525 م تمكن ارياط ( ورد له اسم آخر هوسميفع في مصادر سريانية)  من احتلال اليمن، وحكمها كنائب للنجاشي، الذي كان ابن عمه أيضاً.  وقد تطرق الؤرخ المعاصر بركوبيوس الى الحملة الحبشية وذكر أنها كانت انتصاراً للدين. [22] وهناك روايتان لما حصل بعد ذلك؛ فرواية تذكر أن قائداً آخر اسمه أبرهه، ثار على إرياط.  والرواية الثانية تقول أن إرياط نصب شخصاً يمنياً حاكماً لليمن، بحيث يؤدي خراجاً لدولة الحبشة.  وهوسميفع أشوع، ومن اسمه يتضح أنه مسيحي.  وعلى ما يبدوأن أبرهه اغتصب السلطة فيما بعد.  والرواية الأولى غير مقبولة لأن التاريخ لا يذكر رد فعل حبشي على إزاحة أرياط من قبل أبرهه، سوى ما ذكره ابن هشام أن النجاشي غضب منه، وسرعان ما رضي عنه. والأرجح أن أبرهة، وهوضابط حبشي، انقلب على سميفع، وقد فعل ذلك أولاً بقوةٍ حبشية، ثم ما لبث أن أسس لنفسه قاعدة قوية بين " أقيال الهضبة اليمنية " [23] الذين ساعدوه في كسب الأقيال الآخرين وعلى كسب رضى ملك الحبشة، الذي غضب منه لاغتصابه السلطة. ومما يؤكد ذلك، العثور على رقيم خلد انتصارات أبرهة، وعدد فيه مؤيديه،  وذكر استقباله لوفود من بيزنطة وفارس وكذلك من الغساسنة والمناذرة مهنئين على إنجازاته.  ويشير الرقيم الى أبرهة كنائب للملك. [24] .  فكان له وزنه السياسي، الأمر الذي جعل الوفود تأتي إليه ولم تذهب الى إكسوم العاصمة، مركز صنع القرار.  وقد يبدوأمراً مستغرباً أن يهنأه الأضداد، بيزنطة وفارس والمناذرة والغساسنة.  ولكن إذا ما تذكرنا أن الحبشة وأبرهة كانا من أتباع المذهب المونوفيزي، الذي لم يكن المذهب الرسمي لبيزنطة، وكان مرحباً بأتباعه في أراضي الدولة الفارسية مثل المذهب النسطوري.  فقد أمل الروم أن يستفيدوا من وحدة الدين، وأمل الفرس أن يستفيدوا من الإختلاف المذهبي.  وقد كانت اليمن هدفاً للإستقطاب من قبل الدولتين،  ففي حروب سابقة حاولت بيزنطة حمل اليمن ( والحبشة ) على مهاجمة فارس من الجنوب، تماماً كما نجحت فارس في تحالفها مع الآفار فيما بعد.   

وقد عملت الحكومة الجديدة على نشر المسيحية، حيث ذكر كوزما، وهومؤرخ معاصر زار اليمن،  في تلك الفترة،  أن الكنائس انتشرت في اليمن. [25] وقد تم الكشف عن رقيم كبير من زمن أبرهه مؤرخ بسنة 657 م.  يشير فيه الى قمع ثورة ضده، حيث ذكر بشيء من التفصيل أسماء قادتها .

تذكر كتب السير أن أبرهه قاد حملةً الى مكة

 بهدف هدم الكعبة في العام 570 م، مستخدماً فيلاً اوربما أكثر، وهوالعام  الذي وُلد فيه الرسول (ص).  وذلك لأنه وجد فيها منافساً لجهوده التبشيرية.  وقد فشلت الحملة كما هومذكور في القرآن،  على الرغم من عدم مقاومة أهل مكة.  وقد ورد ذكرٌ للحادث في القرآن : " ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل. ألم يجعل كيدهم في تضليل.  وأرسل عليهم طيراً أبابيل.  ترميهم بحجارةٍ من سجيل.  فجعلهم كعصفٍ مأكول". [26]   وتدل الآية على كيفية فشل الحملة في تحقيق أهدافها وتقهقر جنودها وهلاك قسم كبير منهم.  فقد أرسل عليهم الله طيوراً تحمل حجارة، فترميها على الجنود فيقعون ميتين.  وأبابيل تعني جماعات، أما سجيل فتعني صلب.  وهذا يبدوامراً مستغرباً  لمن لا يؤمن بالقرآن وبمن أنزل القرآن والذي أُنزل عليه.  وهذه الدراسه لا تهدف الى تغيير هذه القناعات، ولكن هذه السورة نزلت في مكة، أي بين عامي  609  و622 م، أي في الثلاث عشرة سنة قمرية التي مكثها الرسول في مكة بعد البعثة وحتى الهجرة.  وهذا يعني أنه كان هناك على قيد الحياة  من يُفترض أن يعي هذه الحادثة، ليؤكدها اوينفيها.  فلوكان هناك من كان عمره عشر سنين في عام 570 لكان عمره 62 سنة.  وقد روى الرواه تفاصيل أضافها بعض المعمرين، مثل أنها جاءت من ناحية البحر، وغير ذلك من التفاصيل.  كما أنه لم يُعرف بأن أحد معارضي الدين، أنكر الحادثة وطعن بمصداقية السورة القرآنية.   

ذكرت الروايات العربية موقف جد الرسول (ص) عبد المطلب، الذي لم يحاول أن ينظم جهداً دفاعياً عن مكة، مثل جده فهر بن مالك، وهوالسيد المطاع، الذي كان بنوأمية،  منافسوبني هاشم يقصدونه بقولهم " نحن أعز جماعةً، وبنوهاشم أعز فرداً "، بل اكتفى بالدعاء، وذهب الى أبرهة يطالبه بإعادة ما صودر من عيره.  ولما استغرب أبرهة من موقفه، قال له : " للبيت ربٌ يحميه ". [27]   وهذا الموقف لا يخلومن سلبية .

بعد حادث الفيل تعززت مكانة قريش بين العرب، كما قويت مكانة مكة كمدينة مقدسة. ولم تُذكر حادثة الفيل في أيٍ من المصادر التاريخية  الأجنبية، مثل الحوليات السريانية اوالبيزنطية المعاصرة.  وهذا لا ينفي وقوعها، فقد كان المؤرخون لا يولون أهمية كبيرة للأحداث التي تجري في الجزيرة العربية. 

ومن الطريف أن نذكر هنا، أن هذه المحاولة لهدم الكعبة لم تكن الأولى، فهناك محاولة أخرى تمت في عهد حسان بن عبد كلال احد ملوك حمير الذي شن حملة عسكرية تهدف الى نقل أحجار الكعبة الى اليمن ليحج اليها الناس في اليمن.  فحاربته قريش وكنانة وخندف بقيادة فهر بن مالك.  فهزمت حمير ووقع ملكهم بالأسر، حتى افتدي بعد ثلاث سنين. [28] وهذا يقدر أنه حدث في بداية القرن الرابع.  وقريش لم تكن موجودة في ذلك الوقت، لأنها تأسست، كقبيلة، من نسل قصي حفيد فهر، ولا بد أن يكون المقصود كنانة التي تنتمي إليها قريش.

وقد سافر أحد أحفاد قادة ثورة عام 657 التي قامت ضد أبرهة، واسمه سيف بن ذي يزن الى عاصمة الفرس، للاستعانة بهم للتخلص من الحكم الحبشي.  ويشكك الباحث اليمني بافقيه أن يكون هذا هوإسمه فعلاً، [29] فسير معه حملةً انتقلت بحراً الى اليمن حيث تمكنت من هزيمة الأحباش الذين كان يحكمهم أحد أبناء أبرهه واسمه مسروق، وذلك في عام 595 م، حيث دام حكم الأحباش لمدة 70 سنة.

حكم الفرس اليمن كولاية فارسية، مع إعطاء دورٍ مشارك لليمنيين ( اليزنيين ) في الحكم.  وهكذا كانت الصورة عند الفتح الإسلامي لليمن، حيث كان يحكم الجيل الثاني من الفرس الذين كانوا يسمون "الأبناء". 

 

عاد وثمود

مر ذكر دولتي عاد وثمود في القرآن، على أنهما بُعث إليهما نبيان ولم يؤمن غالبيتهم فعاقبهم الله عقاباً شاملاً.  وقد كان موطن عاد في الأحقاف، كما ذُكر في القرآن، وتقع الأحقاف بين عُمان والمهرة.  وهذا يعني أنها في ظفار.  أما ثمود فإنها كانت في الشمال.  وقد ورد لها ذكر على أنها القبيلة العربية التي نفاها الملك سرجون الى فلسطين.  وفي القرن الخامس قبل الميلاد، عندما أعاد الفرس السبي البابلي الى القدس حاولوا إعادة بناء سورها، حيث عارض ذلك حاكم السامرة وزعيم عربي اسمه جاشمو، يضع فيليب حتي احتمال أن يكون من قبيلة ثمود، التي نُفيت الى المنطقة. [30]

ولقد نُسب الى الثموديين خط عرف باسمهم.  وقد وُجدت كتابات في هذا الخط في أنحاء مختلفة من الجزيرة العربية، في الشمال وفي الجنوب، وبعيداً عن خطوط القوافل.  فقد سيطر الثموديون على التجارة بين اليمن والشام والعراق، قبل أن يتولى ذلك اليمنيون أنفسهم. [31]   

 

مملكة نزار

كان يقطن شمال ووسط الجزيرة في القرن الثالث والرابع عددٌ قليلٌ من القبائل مثل كندة ومذحج وقحطان والأزد ونزار ووغسان وتنوخ.  وهي قبائل كبيرة ويحكم كلٍاً منها ملك، ويربطها علاقات بملوك اليمن. [32]   وقد ورد ذكر بعضها في رقيم على قبر امرئ القيس بن عمرو، الذي اكتشف جنوب شرقي دمشق. وقد كان امرؤ القيس ملكاً لخمياً على علاقة طيبة مع الروم والفرس.  وقد ذكر أنه أخضع عدداً من الممالك العربية بينها مملكة نزار. [33] ويرجح بافقيه أن يكون موقعها في البحرين استناداً الى رقيم حميري يذكر غزو هذه المملكة حيث اصطدمت بقبائل معروفة بانتمائها لهذا الإقليم، ومن بينها عبد القيس. [34] لا يوجد معلومات كثيرة عن هذه المملكة العربية، ولكن في الأغلب كانت عاصمتها هجر، التي ظلت حاضرة مهمة ومركزاً تجارياً مهماً تُسك فيه العملات،  حتى لما بعد الإسلام إذ دمرها القرامطة في القرن الثالث للهجرة. ولابد أن طموح بني حنيفة لبناء مملكة في هذا الجزء من الجزيرة، كان يحفزه إرث أسلافهم التليد.   

 

حالة العرب  قبيل الإسلام

كانت مدن الجنوب يُمارس فيها كافة أنواع النشاطات الاقتصادية؛ فكان هناك صناعة نسيج مشهورة، فالبُرد اليمانية يرد ذكرها كثيراً في مناسبات عديدة في صدر الإسلام.  كما اشتهرت النعال الحضرمية، الأمر الذي يعني أن الصناعات الجلدية كانت متطورة.  يبنما اشتهرت مكة بتصدير الجلود غير المصنعة.  وعرفت أيضاً ببعض أنواع الصناعات المعدنية، مثل السيوف والأواني وغيرها.   كما كانت الزراعة مزدهرة في اليمن،  فعُرفت كثيرٌ من السلع التصديرية مثل البن والبان والصمغ والبخور وغيرها، بالإضافة الى بعض المنتجات الزراعية المصنعة مثل النبيذ والزبيب  التي كانت تصدر الى أوروبا عبر أراضي الامبراطورية الرومانية.  كما عرفت اليمن المشاريع الإروائية الضخمة مثل سد مأرب.  ومن المعروف أن المشاريع الإروائية، سواء أكانت سدوداً أم قنوات، تحتاج الى نظام إداري قوي يستند الى دولة قوية، ويرتبط مصير هذه المشاريع واستمرارها ببقاء هذا النظام قوياً وقادراً  ( وكذلك  راغبا ً ) بحيث يتولى إدارتها وصيانتها.  وهذا ما حصل عندما بدأ يتآكل جسم السد، نتيجةً لضعف الدولة.  حيث انهار السد في نهاية الأمر، فتراجعت الزراعة بتقلص الأرض القابلة للري.  مما نجم عن ذلك مزيد من الهجرات الى الشمال من بينها هجرة الأوس والخزرج، كما هومذكور في كتب السير،  كما نجم عن ذلك هجرات الى خارج الجزيرة العربية، مثل هجرة الغساسنة الى الشام.

اشتهراليمنيون بانواع أخرى من البناء وهي المباني المتعددة الأدوار، حيث بنوا بنايات من عشرة طوابق وأكثر.  وكذلك الجسور والطرق في المناطق الجبلية الوعرة.

كما عرف اليمنيون التجارة، سواء البرية منها اوالبحرية.  وقد عرفت موانئ شرق إفريقيا وجنوب وجنوب شرق آسيا البحارة اليمنيين وسفنهم، التي برعوا في بنائها.  هذا بالإضافة الى موانئ البحر الأحمر والخليج العربي.

بينما كانت الزراعة نشاطاً اقتصادياً مهماً في اليمن يعمل به قطاعٌ عريضٌ من أبناء المجتمع اليمني، كانت الثقافة السائدة في الشمال (أي في اوساط القبائل العربية التي تقطن  وسط الجزيرة وشمالها ومنطقة  الهلال الخصيب) تحتقر العمل بالزراعة.  فعندما هجا الأخطل التغلبي الشاعر الأنصار في زمن معاوية عَيَّرَهُم بعملهم بالزراعة حيث قال:

 

فدعوا المكارم لستم من أهلها     وخذوا  مساحيكم بني النجار

 

 

والمسحاة هي المعول.  وقد كان الأخطل ينتمي الى تغلب التي استقرت في العراق ولم تكن تمارس الزراعة.  وهذه الثقافة لم تختفِ تماماً الى يومنا هذا.  بالطبع سادت هذه الثقافة في أوساط القبائل البدوية التي عملت بتربية المواشي، وانتهجت التنقل الممنهج كوسيلة للبقاء للإنسان وماشيته.  وبالتالي كان هناك بعض الاستثناءات، فسكان الواحات، مثل يثرب  عملوا كمزارعين، وحققوا نجاحاً في ذلك، كما عمل سكان مدن القوافل في التجارة، مثل مكة،  وحققوا ثراءً. 

وكما ذكرنا آنفاً أن البداوة ليست حالة اجتماعية موجودة منذ الأزل، ولكن هناك أبحاثاً تؤكد غير ذلك وتعتبرها  طارئة.  وهذا طرح منطقي يؤكده التطور المناخي للجزيرة، حيث أدى تناقص الموارد المائية الى التخلي عن الزراعة والاكتفاء بتربية الماشية.  كما أدى تزايد الجفاف الى تقلص مساحات الأراضي الرعوية، واضطرار مربي الماشية الى انتهاج التنقل بحثاً عن الكلأ والماء لماشيتهم.  فقبل التحول المناخي ما كان هناك داعٍ للتنقل لتوفر الكلأ في محيط السكن.  وكان التحول تدريجياً، ويقتصر على المناطق التي يسودها الجفاف، أما المناطق التي لم تجف ولم تتصحر، فبقيت الزراعة نشاطاً أساسياً بها، مثل الواحات و المناطق الجنوبية التي تهب عليها، بشكلٍ سنوي، عواصف موسمية ماطرة .

لقد درس باحثون كثر الأنماط الإجتماعية للمجتمعات الرعوية والمجتمعات الزراعية، وقارنوا بينها.  لقد أعطى نمط الحياة الرعوية لممارسيها حبهم الشديد للاستقلال.  وهذا ما يُفسر بقاء معظم  الجزيرة العربية بعيداً عن الهيمنة الأجنبية طوال تاريخها، ولا يعود ذلك، قطعاً الى نقص الموارد اوحرارة الصحراء. 

وقد أثيرت نقاشات مطولة حول من بدأ قبلاً، الزراعة أم تربية المواشي.  لقد عاش الإنسان منذ أزمنةٍ سحيقة، حياة المشاع، حيث لم تكن هناك ملكية فردية، كما كان هناك وفرة في  " الثروة الحيوانية " المتوفرة على شكل حيوانات طليقة غير مدجنة، كما كان هناك وفرة في " المحاصيل النباتية " في المناطق المحيطة بمكان الإقامة، التي تنموبشكل طبيعي.  حيث تعلم الإنسان الصيد، للحصول على الغذاء من مصدر حيواني.  كما تعلم جني الثمار، وإجراء بعض العمليات التحويلية عليها، من أجل استفادة أكبر منها وحفظها لفتراتٍ أطول.  لم يفكر الإنسان في السيطرة على كمية المخزون الطبيعي لهذه الثروة، حتى بدأت تنضب.  فبدأ محاولاته الأولى في تدجين الحيوانات وتربية المواشي، وفي الزراعة.  ومن بدأ أولاً ؟  لا بد أن يكون من نضب أولاً.  فإذا كان الباحثون مختلفين على هذه القضية، فقد يكون هناك اكثر من جواب .

لقد أصبحت تربية المواشي ؛ الجمال والغنم والبقر والخيل، هي الحرفة الرئيسية لدى العرب.  وكانت ثرواتهم تقاس بكم بعيراً يمتلكون.  ولم تكن الجمال والخيل معروفة في الجزيرة العربية منذ الأزل، فهي طارئة.  ولا يُستبعد أن تكون ناقة صالح المذكورة في القرآن لها علاقة ببدايات استخدام الجمل، الذي ربما كان مستنكراً وغير مقبول. كما كان العرب يعطون العير كجوائز،  فيقال أن الشاعر الفلاني وفد على الأمير ومدحه في قصيدة، فأعطاه مائة بعير. وظهر مع هذه الأوضاع، المتمثلة بنقص الموارد  نمط جديد للحصول على الثروة وهوإغارة مقاتلي قبيلة على " سرح " قبيلةٍ أخرى اومضاربها،  والاستحواذ على كل ما يمكن حملة اوقيادته، من ماشية وبشر ومنقولات.  فانعدم الأمن وقويت الأواصر القبلية وشاع الرق كنتيجةٍ للغزوات.  بينما كانت أسباب الغزوتعود الى الرغبة في الحصول على أرض للرعي اومصدر مياه،  أصبح الدافع أبسط من ذلك بكثير ؛ الحصول على الغنائم، ثم أصبح انتقاماً لغزوةٍ سابقة.  فكثر الاقتتال، وأصبح الغزووسيلة من وسائل الثراء الدارجة.  تخلدت هذه الغزوات  فيما عُرف بأيام العرب. وهي عبارة عن معارك نشبت  بين القبائل دفاعاً اوهجوماً اوانتقاماً.  وأقدم ما هومسجلٌ منها يوم خزاز، وآخرها ربما يكون يوم ذي قار الذي كان بين قبائل بكر والدولة الفارسية، حيث انتصرت بكر وهزمت فارس.  وحدثت بعد الهجرة.  وفي كتب الأخبار ذكر لما يقارب الألف من هذه الأيام. وقد كان بعضها نتيجة مبادرة احد الطرفين، بينما كان البعض الآخر ثأراً لغارةٍ سابقة.  وكانت سلسلة الانتقامات تستمر لسنوات، فتأخذ مجموع الأيام شكل الحرب، التي استمرت إحداها أربعين سنة، وهي حرب داحس والغبراء، التي بدأت بسبب سباق خيل، وقُتل بها رجالٌ  كثيرون.  ثم جاء الإسلام فتوقف هذا النشاط تماماً.  حيث حرم القتل، و" وضع دماء الجاهلية " أي أنهى مسلسل الثأر. جاء في العقد الفريد في ذكر بعض الأيام المتأخرة، أن قادة إحدى القبائل كانوا يتشاورون في غزوجيرانهم، فقال أحدهم أن دين ابن عبد المطلب يحرم القتل،  فنغزو بني فلان عامنا هذا، ونسلم العام القادم. [35]

وأيام العرب شكلٌ من أشكال الأدب العربي  النثري، وإن تضمنت ما كان يقال من شعر الفخر من قبل المنتصرين  ومن شعر الرثاء من قبل من فقد عزيزاً.  وقد تخلدت بالنقل الشفوي.  وهذه وسيلة لا تخلومن مصداقية، ليس لدى العرب فقط وإنما لدى كثيرٍ من الشعوب.  فالتاريخ يعرف كثيراً من الحالات التي تطابق روايات متواترة مع مكتشفات حفرية  حديثة، فما يعرف بالذاكرة الشعبية folk memory     يمكن أن يمرر رواية معينة عبر أجيال عديدة دون تحريفٍ كثير. 

اعتبر مؤرخون كثيرون، بما في ذلك بعض المستشرقين، هذا العصر، عصر بطولة.  صحيح أن هناك قصصاً كثيرة مسلية، بإمكان إعداد عشرات المسلسلات التلفزيونية والأفلام السينمائية عن الألف ويزيد من أيام العرب، حيث ستشكل مادة ممتعة للمشاهدة، كما كانت تشكل مصدراً للتسلية والمتعة عند سردها في قصور الأمراء والملوك والخلفاء وفي المنتديات عبر العصور في عشرات المدن العربية، ولكنها لم تكن ممتعة بالقدر نفسه للقتلى والجرحى والأسرى والسبايا من النساء والأطفال الذين عاشوا الرعب بأنواعه. وكذلك الذين فقدوا ماشيتهم أو أحرقت خيامهم أو اضطروا لإخلاء موارد المياه الخاصة بهم. إن إيقاف مسلسل القتل هذا، كان من أهم إنجازات الدين الإسلامي.

كان العرب يستخدمون وسيلتي نقل أساسيتين في ترحالهم وحروبهم؛ الحصان للمسافات القصيرة وللإغارة، والجمل للمسافات البعيدة ولنقل الأحمال.  ولم يكن الجمل معروفاً في الجزيرة منذ الأزل، فلم يكن معروفاً قبل خمسة آلاف سنة.  وقد أظهرت بعض الحفريات أن استخدام الجمل أصبح أكثر كفاءةً عندما تم تعديل شكل ومكان الرحل.  فقد كان في السابق يُثبت خلف السنام،  مما يجعل التحكم في حركة الجمل أصعب، كما يظهر من بعض الرسومات الآشورية التي تعود الى أكثر من الفي عام قبل الميلاد.  وعندما تم تعديله بحيث يثبت فوق السنام وأقرب الى الرأس، كما ظهر في رسومات اكتشفت  في  تدمر تعود الى القرن الثاني قبل الميلاد، عند ذلك أصبح التحكم بالجمل أفضل، مما نجم عنه إمكانية  السفر  الى أماكن ابعد.  فنشطت التجارة وزاد إيقاع الهجرة والسفر عموماً.  كما أصبح الجمل يُستخدم في المعارك،  للقتال وليس كوسيلة انتقال فحسب.  وكان عادةً ما يستخدم الهَجّان  – المقاتل الذي يمتطي جملاً – رمحاً طويلاً،  كما ورد في سرد وقائع معركة حنين بين المسلمين وهوازن.   فقد كان الرمح من بين الأسلحة الأساسية التي استخدمها العرب.    وكان السيف يحمله كل مقاتل اوكل شخص،  سواء في وقت الحرب اوفي وقت السلم.  وقد كانت معظم السيوف صناعة محلية.  فعرفت اليمن صناعة السيوف، التي كانت عريضة، بحيث تسمى صفيحة، وكان هناك أنواع أخرى من السيوف، مثل القلعية، كما كان هناك الهندوانية، المستوردة من الهند.  والهندوانية لم تكن أفضل من اليمانية.  لقد كانت صناعة الفولاذ متقدمة في المنطقة في ذلك الزمان أكثر من مناطق كثيرة في العالم.  كما كان من بين الأسلحة الأخرى القوس المستخدمة لإطلاق السهام.  لم تكن القوس العربية كبيرة، وسهامها كذلك كانت قصيرة.  وقد روي عن أحد مقاتلي الفرس، الذي حارب في القادسية ضد المسلمين، أنه عندما أطلقت السهام العربية باتجاههم في اليوم الأول، أخذ الجنود الفرس يضحكون ويرددون كلمة تعني " مغزل "، في الإشارة الى قصرها.  وأضاف أنه اتضح لهم في اليوم الثالث أن هذه السهام القصيرة حسمت المعركة للعرب.  وعلى عكس ذلك فالسهام الفارسية كانت كبيرة ومداها أبعد.  استخدم العرب الدروع، وكانت تشكل عبئاً على الخيل العربية، المعروفة بصغر حجمها.  وقد كان يحصل أن ينزع المقاتل درعه ويرميها لكي يصبح حصانه اسرع عند الانسحاب اوالمطاردة.  وكانوا أحياناً يجعلونها أصغر لتغطي الصدر فقط،  مما يجعلهم في حال هجوم دائم.  كما استخدم العرب التروس والخوذ، بدرج ةٍ أقل.

وفي رواية مشهورة لمحادثة بين عمر بن الخطاب وعمروبن معدي يكرب، وهوأحد فرسان العرب المشهورين، حيث سأله عن الأسلحة واحداً واحداً، فرد عليه بإجابات بليغة تنم عن خبرة ومعرفة بإستخدامات صنوف الأسلحة، إلى أن وصل إلى السيف، فأكد عمروأن هذا هوالسلاح الذي يحسم المعارك.  ولم يكن عمر يُجري هذه الأحاديث من باب التسلية، وإنما لبناء ثقافة عسكرية.

لم يتقن العرب فنون مهاجمة الأسوار وتخطيها.  فقد هاجموا بلاد الشام من جنوبها الشرقي الى شمالها الغربي،  فنهبوا وسلبوا حتى وصلوا إنطاكية. ولكنهم لم يستطيعوا تخطي سور مدينةٍ واحدة.  ولكن الصورة اختلفت بعد الإسلام. ولم تكن كثيرٌ من مدنهم مسورة.  فلم تكن مكة ولا يثرب محاطتين بأسوار.  كان سلاح العربي يشكل جزءاً من ثروته، وكان اعتزازه به كثيراً، وكان يُعرف عن أعيان العرب تخزينهم كميات من الأسلحة لحين الحاجة، مثل الرماح والدروع، لحين الحاجة.     

وكان عرب الشمال،  على بداوتهم،  قد أقاموا نمط حياةٍ فريداً من نوعه.  فقد تحول كل قادر على حمل السلاح الى مقاتل، إلا أنه كان هناك من هم أكثر إحترافاً، وكانوا يسمون فرساناً، وكانوا دائماً طالبين اومطلوبين.  ولذلك احتاجوا للمحافظة على نظام "الأشهر الحرم"  الذي يحرم القتال وسفك الدماء فيها.  وهي أربعة أشهر رجب وذوالقعدة وذوالحجة ومحرم، كانت مهلة ضرورية لمتابعة نشاطات أخرى والاستراحة من الإحساس بالترقب. 

اشتهر العرب بالكرم.  فلم يكن أي شخص مهما كان معدماً، إلا ليطعم ضيوفه، حتى لواضطر لذبح آخر جمل عنده.  وهذا يعد عقداً اجتماعياً ارتبط بواقع الشح الذي كان يعيشه العرب.  فلولم يكونوا كذلك لمات المسافر جوعاً لانعدام البدائل، فالطبيعة لم تكن معطاءة. نجح العرب في الحفاظ على استقلالهم السياسي لزمنٍ طويل.  وكما ذكرنا قبل قليل، إن هذا يُعزى بشكلٍ أساسي الى الحس التحرري العميق لدى العرب، وحبهم الشديد لاستقلالهم. وقد عزا بعض المؤرخين ذلك الى سببين؛ الأول شح الموارد والثاني طبيعة الأرض والمناخ.  وهذا ليس دقيقاً فلماذا لم يحاول الفرس والرومان  السيطرة على ميناء جدة ؟.  وهومهم جداً على خط ملاحي مهم جداً.  كما سيطروا على ميناء أيلة ( العقبة ) في الشمال اوميناء عدن في الجنوب.  ولا يمنع أن السببين المذكورين خدما كعاملين إضافيين،   فالزراعة معظمها بعلي اوقائم على وجود ينابيع وآبار في بعض الواحات، ولا تعطي كثيراً من فائض إنتاج، يمكن أن تُبنى عليه صناعة اوتجارة بحيث يتم إنتاج سلع  قابلة للتصدير ويمكن أن يبنى عليه إقتصاد من أي نوع.  وبالتالي تشكل مصدراً لنوعٍ من أنواع الضرائب.  كما أن حرارة الصيف وطبيعة الصحراء تشكل خطراً على الجيوش المهاجمة، قد يؤدي الى فشل الحملة العسكرية فشلاً ذريعاً.  وهذا كما قلنا، ليس دقيقاً تماماً ولا ينطبق على كل الجزيرة العربية.  وفي حالات مشابهة في العالم، لم يمنع " الجنرال شتاء " وهوما يُطلقه الروس على شتائهم القارس، الذي لم يمنع  من غزوروسيا مرتين خلال القرنين الأخيرين.

لقد تعرضت الجزيرة العربية لعددٍ  قليل ٍ جداً من الغزوات يُعد أمراً مستغرباً نظراً لموقعها.  فقد غزا الأحباش اليمن في القرن السادس الميلادي، وقبل ذلك مرة اومرتين اواكثر، كما ساعد الفرس العرب على طرد الأحباش من اليمن في نهاية القرن نفسه.  كما كانت السواحل الشرقية لجزيرة العرب ولايات فارسية.  كما حاول الرومان بقيادة القائد اليوس كالوس  غزوغرب الجزيرة العربية، في عام 24 ق. م.  ولكن الحملة فشلت، [36] حيث عُزي سبب فشل الحملة الى خيانة الدليل النبطي المرافق للحملة. [37]

لقد كان أهل مكة يقولون " مكة لا تدين لملك ".  وعلى ما يبدوكانت هناك محاولات غير جادة.  فقد جاء أحد القرشيين بكتاب من إمبراطور الرومان بولايته على مكة.  إلا أن زعماء قريش رفضوا الفكرة تماماً.  ولم يحدث شيء.  ولكن كانت مكة، المدينة التجارية، حريصةً جداً على الحفاظ على درجةٍ من الرضى من قبل الدولتين العظميين.  فقد روت المصادر عن زيارتين قام بهما أبوسفيان لكل من العاهلين الفارسي والروماني.

وكانت القبائل العربية التي ترتبط فيما بينها بأنماطٍ من التحالفات ( والعداوات ) كانت لها اهواؤها، إن ملكت القدرة على  الإختيار،  فيما يتعلق الأمر في العلاقات مع الدولتين مباشرةً اومن خلال دولتي الغساسنة والمناذرة المرتبطتين بهما.

وأعتقد أن ميول يثرب كانت مع بيزنطة بحكم علاقة القربى التي تربط الأوس والخزرج بالغساسنة.  ومن الممكن أن تكون ميول مكة فارسية على الرغم من "رحلة الشتاء والصيف" الى الشام واليمن.  فقد كانت التجارة مع الحيرة منتظمة، فقد كان ملوكها يرسلون قافلة محملة كل عام.  وربما يُستدل على صحة ذلك أنهم فرحوا لهزيمة الروم على يد الفرس.  على كل حال كان زعماء قريش حريصين على التوازن في جميع علاقاتهم، من أجل تجارتهم ومن أجل البقاء على مكانة مكة كعاصمة روحية للعرب.

كانت مكة نموذجاً للمدينة-الدولة city state .  فقد كانت تدير شؤونها بطريقةٍ فريدة.  كان سكان مدينة مكة من قبيلة قريش.  أي أن قريش جميعها تسكن مكة، وسكان مكة جميعهم كانوا من قريش، مع استثناءات لا تذكر، على اعتبار أن " مولى القوم منهم ".  فكانت الإدارة للمدينة مثل ما هي لشئون القبيلة.  وقد كان لهذا الجهد بعد خاص ناجم عن كون مكة مدينة مقدسة يؤمها العرب بأعدادٍ غفيرةٍ  للحج في موسم معين،  كما يأتونها بأعدادٍ أقل للعمرة طوال العام.  وبالتالي فهناك الكثير مما ينبغي عمله للحفاظ على مكانة مكة ومكانة قريش بين العرب.  لقد أدار القرشيون أمورهم دون تركيز للسلطة بيد شخصٍ واحد، اوبيد فخذٍ معين.  فكان هناك تقسيم عمل بينهم،  يقال أن جدهم وزع هذه المهام بينهم، وتقيدوا بها لعدة أجيال دون تعارض اوتداخل.  فالحجاج بحاجة الى رفادة (الطعام)  والسقاية (شرب الماء).  كما أن هناك مهام أخرى تحتاجها القبيلة لتسيير أُمورها في السلم والحرب.  مثل الندوة،  أي التشاور في الشؤون العامة، والسفارة وهي الجهد الدبلوماسي مع القبائل الأخرى،  واللواء وهو حمل الراية في الحرب والحجابة وهي الاحتفاظ بمفاتيح الكعبة.  وكانت الرفادة وهي إطعام الحجيج تُجمع لها الأموال من قريش كلها، ويتولى الجمع وإعداد الطعام متولي الرفادة.  اما السقاية، فهي توفير الماء، من زمزم، لشرب الحجاج، حيث كانوا يضيفون إلى الماء العسل اواللبن اوالنبيذ.  كما كان هناك النسء والإفاضة.  والنسء كان أن يحل أحد الأشهر الحرم، ويُحرم شهرٌ آخر بدلاً منه، وكانت هذه المهمة مناطة بشخصٍ من غير قريش.  وكذلك كانت الإفاضة، أي إعطاء الإيعاز بالنفر من منى، في غير قريش. [38]      

لقد سجل التاريخ في الفترة التي سبقت البعثة النبوية محاولات لإقامة دول وتتويج ملوك. في أكثر من منطقة من الجزيرة العربية.  إن أية دولة تنشأ في ارض العرب، لا بد وأن يكون طابعها قبلياً.  بل يجب أن تنشأ ضمن قبيلة معينة كبيرة العدد.  وربما سار في ركبها بعد حين، عدد من القبائل.  وحتى دول اليمن ارتكز كل منها على قبيلةٍ معينة، فسبأ وحمير قبائل.  وكذلك كانت غسان، التي كانت كبيرة العدد في القرن السابع، بينما كانت لخم، قبيلة المناذرة، تمثل حالة لا تخلومن غرابة، فقد كانت تحكم في العراق بينما كانت القبيلة تقطن الشام.  وإذا ما قارنا الممالك العربية مع الدولة الرومانية الشرقية، فإن اسم الدولة كان يتغير مع تغير القبيلة الحاكمة، بينما لا يعدوتحول الحكم في بيزنطة من أسرةٍ الى أُخرى، أكثر من تغير السلالة الحاكمة، وتبقى الدولة مستمرة.  وقد أصبح علي بن هوذا الحنفي ملكاً على قومه، حيث أصبح الملك العربي الأول الذي ينحدر من أصل غير يمني.  كما كان عبد الله بن أُبي يسعى ليصبح ملكاً على الخزرج في يثرب.  وهذا يشير الى حالة من نضوج إرادة سياسية لدى العرب تدفعهم الى بناء كيان خاص بهم يوحدهم ويجعل لهم مكاناً بين الأمم.  

 

اعتز العرب ببعض القيم التي كانت سائدة بينهم مثل الكرم والحلم.  وكان هناك ستة مقاييس للزعامة، فلا يُصبح أحدٌ سيداً في قومه ما لم يتمتع بالخصال الست التالية :

السخاء والنجدة والشجاعة والحلم والتواضع والبيان. [39] ولم يكن ما  يمنع أن يكون هناك استثناءات، ولكن القيم كانت سائدة.  فقد سألت روح بن زنباع زوجتُه، وهوأحد قادة المجتمع الشامي في زمن معاوية : " كيف سودك قومك وأنت جبانٌ وبخيل ". [40]

عرفت فترة ما قبل الإسلام ازدهاراً واضحاً في قول الشعر.  وتدل غزارة إنتاج الشعر ونوعيته على الأهمية التي احتلها في حياة العرب.  كما تدل وحدة اللغة المستخدمة في الأشعار على تجانس ثقافي يغطي قبائل العرب جميعاً، شمالاً وجنوباً.

كان للشعر مكانةٌ كبيرةٌ جداً، فلا بد لكل قبيلةٍ من شاعرٍ أوأكثر ليمدحوا قادتها وأبطال معاركها ولهجاء أعدائها ولرثاء قتلاها.  كانت هذه الألوان الثلاثة من الشعر مضافاً إليها الغزل، من أهم المواضيع الشعرية عند معظم الشعراء العرب في الجاهلية.  كان الغزل كثيراً ما يُستهل به في أشعار المديح.  فالشاعر كعب بن زهير استهل قصيدته المشهورة في مدح الرسول (ص) بتغزله بسعاد، التي ربما كانت زوجته أوحبيبته.

وكانت أشعار المديح ترفع من شأن الممدوحين لدرجةٍ تجعل الآخرين يسعون للتقرب اليهم بالزواج وغير ذلك.  والأمثلة على ذلك كثيرة.  ورد في العقد الفريد قصة رجل نكرة اسمه    " المحلق " استضاف مجموعةً من المسافرين، وكان أحدهم الأعشى الشاعر المشهور.  فألف قصيدة من أبياتٍ قليلة:   

            أرقت وما هذا السهاد المؤرق      وما بي من سقمٍ وما بي معشق

            لعمري  لاحت  عيونٌ  كثيرةٌ      الى ضوء نارٍ  في  بقاعٍ  تحرق

            تُشَبُّ  لمقرورين  يصطليانها      وبات على النار الندى والمحلق

 

فرفعت الأبيات من شأنه و" جعلت الأشراف تخطب إليه ". [41]  

وكان انتقال الشعر لا يحتاج الى وسائل الانتشار العصرية، وإن انتقل بكفاءةٍ لا تقل عن  ذلك.  فكانت قصيدةٌ يطلقها شاعر قبيلة بهجاء قبيلةٍ أُخرى بعد معركةٍ بينهما، سرعان ما تنتقل الى القبيلة المهجوة، وغيرها من القبائل وتصبح حديث الناس. وسرعان ما ترجع الركبان بالرد.  ولم يكن من الضروري أن يكون الرد مكتوباً، فكانت قدرة العرب على الحفظ عالية جداً.

وحصل أن أُسر مقاتل في إحدى المعارك وكان شاعراً.  فربطوا فمه بقطعة من الجلد خوفاً  أن يهجوهم.  فلوحصل وهجاهم فلا يوجد ضمانة بعدم انتشار القصيدة.  فتقديرهم للشعر يجعلهم يرددونه حتى لوكان فيه إساءةٌ اليهم. [42]

ومن شعراء الرعيل الأول إمرؤ القيس الذي كان ابن آخر ملوك كندة في الشمال.  وقد كان يكثر من شرب الخمر، وأكثر شعره غزل.  ولما قُتل أبوه، قال قولته المشهورة " اليوم خمر وغداً أمر "، وفعلاً بدأ في اليوم التالي مساعي محمومة لاستعادة عرش أبيه،  لم تكلل بالنجاح، من ضمنها ذهابه الى القسطنطينية لطلب المساعدة في استعادة العرش.  ومات في طريق عودته في الأناضول.  

اشتهر من بين القصائد التي لا تعد ولا تحصى، عشر قصائد سميت بالمعلقات، ويقال إن سبب التسمية أنها كانت تعلق على الكعبة.  وكان هذا في الجاهلية.  ويسمى شعر هذه الفترة بالشعر الجاهلي.

وفي ما يلي مطالع المعلقات العشر وأسماء قائليها:

 

قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ..لامرئ القيس

أمن أُم أوفى دمنة لم تكلم .. لزهير

لخولة أطلال ببرقة ثهمد .. لطرفة

يا دار عبلة بالجواء تكلم .. لعنترة

ألا هبي بصحنك فاصبحينا .. لعمروبن كلثوم

عفت الديار محلها فمقامها .. للبيد

آذنتنا ببينها أسماء .. للحارث بن حلزة.

 

لاحظ أن ستاً من سبع القصائد مذكورٌ فيها اسم امرأة.  وكان هذا شائعاً جداً، ولم يكن يعني أن القصيدة غزلية أساساً. 

 وكثيرٌ من القصائد المنسوبة لشعراء هذه الفترة منحولة، أي أنها من تأليف مرحلةٍ لاحقة ونسبت الى شاعر جاهلي.  وهذه ظاهرةٌ تستحق الدراسة.  فما الذي يجعل شخصاً ينسب إبداعه لشخصٍ آخر.  وهذا لم يتوقف على الشعر، فكليلة ودمنة لم يُعثر على أصلٍ فارسي لها.  إن الظاهرة الأكثر شيوعاً هي أن ينسب البعض إبداعات الآخرين لأنفسهم. 

بعد الهجرة أصبح حسان بن ثابت شاعر الرسول.  وكان يهجو قريشاً وأعداء الإسلام الآخرين بشعره، وكان الرسول يحضه على ذلك.  وكان في المقابل شعراء آخرون  وضعوا أنفسهم في خدمة الطرف الآخر، من بينهم ابن الزبعري الذي هجا الرسول والمسلمين. وهذه القصائد بقي منها الكثير رغم رفض الرواه لمضمونها.  كانت القصائد تنتقل دون صعوبة بين مكة والمدينة في الاتجاهين.

يسمى الشعراء الذين عاشوا في الجاهلية والإسلام مخضرمين، ومن بينهم حسان بن ثابت وكعب بن زهير والحطيئة وعباس بن مرداس وغيرهم كثيرون.

وقد ظهر في أواسط القرن الهجري الأول جيل آخر من الشعراء العظام.  فكثيرون لا يعرفون أن الفرزدق وجريراً والأخطل وكثيراً وعمر بن أبي ربيعة عاشوا عصراً واحداً، وربطتهم علاقة شابتها عداوة ظاهرة وتضامن وتعاطف يظهران عند الحاجة.

وفي القرن الهجري التالي، وإن استمر عطاء الشعر، فقد برز جيلٌ من الرواة الذين قدموا للشعر العربي خدمةً جليلة، وهي الحفاظ عليه.  فكان من بينهم " أبوضمضم " الذي أقسم مرة أنه يروي لمائة شاعر اسمهم " عمرو".  وكان الأصمعي وخلف الأحمر حماد الراوية والشعبي من أشهر الرواة.  وعلق الأصمعي على مقولة ابي ضمضم أنه وخلف حاولا تعداد الشعراء الذين يسمون عمرواً فلم يتمكنوا من عد أكثر من ثلاثين.  وقد كان الشعبي يقول أنه مستعد أن يروي الشعر لمدة شهر دون تكرار.  وهذا ليس مستغرباً،فقد أنشد عبدالله بن عباس لشاعرٍ واحد طوال ليلةٍ كاملة بحضور عمر  بن الخطاب.  

وهذا يعطي فكرة عن غزارة الشعر عند العرب، فهناك هذا العدد من الشعراء الذين يحملون نفس الاسم، مما يدلل على العدد الهائل للشعراء، وكان شعر بعضهم  يستغرق إنشاد ما اشتهر منه  ليلةً كاملة.

وكان للنساء نصيبٌ في قول الشعر، فاشتهرت الخنساء في قصائدها في رثاء أخيها الذي قتل في إحدى المعارك القبلية.

أقام العرب مهرجانات للشعر في مواسم معينة من بينها سوق عكاظ، الذي كان يقام كل عام في موقعٍ مستومن الأرض بالقرب من الطائف في شهر ذي القعدة من نصفه لآخره [43] ،  حيث يأتي إليه العرب من كل القبائل، يبيعون منتجاتهم اوما توفر لديهم من بضاعة، ويشترون ما يحتاجون من أقمشة وأسلحة ولوازم معيشية أُخرى.  كما يأتي الى السوق كبار شعراء العرب، ليلقوا على من حضر السوق آخر نتاجهم.  وقد اختير وقت إقامة السوق بحيث يأتي ضمن الهدنة السنوية المسماة بالأشهر الحرم.  فكان فرسان العرب يحضرون السوق مطمئنين، فهم دائماً  " إما طالب اومطلوب " كما وصف أحدهم نفسه . [44] ولكن السوق كان مناسبة لمعرفة الخصم، مثل حفظ تقاسيم الوجه للتعرف عليه بسهولة عند اللقاء في معركة، ولذلك كان يحضر السوق متلثماً.

كما كان هناك أسواق مشابهة أُخرى لا تقل أهمية، مثل ذي المجاز، الذي كان موسمه يلي موسم عكاظ ويسبق الحج. [45]  

إن المتفحص للغة الشعر وللنصوص النثرية المتوارثة بالرواية الشفوية، لا يجد صعوبة، إذا ما أجرى مقارنة مع إنتاج شعري ونثري  معاصر اووسيط، في أن يستنتج أن اللغة العربية  كانت في أوج عظمتها في ذلك الوقت.  إن هذا يدل على نضوجٍ  كبيرٍ في اللغة العربية.  يعتقد كثيرون أن اللغة العربية  بشكلها المعروف في صدر الإسلام، أي الذي نزل بها القرآن، لا يزيد عمرها عن مائة الى مائة وخمسين سنة.  وربما يحتجون على ذلك أن لغة الرقوم التي تعود الى القرن الخامس على سبيل المثال، تختلف بصياغتها اختلافاً بيناً عن لغة القرن السابع التي نزل فيها القرآن. وهذا لا يمكن أن يكون صحيحاً.  فلا يمكن أن تكون لغة،  بهذا الجمال، قصيرة العمر لهذه الدرجة.  الأمر الذي يعني أنها أقدم من ذلك.  أما لغة الرقوم فقد كانت لغةً مكتوبةً وغير محكية تعود الى أزمنةٍ أقدم.  وتعود اللغة العربية الى عائلة اللغات السامية، مثل اللغة الآرامية والسريانية والكنعانية والبابلية والأمهرية والآشورية.  وهذه اللغات كانت متقاربة، وربما بدأت كلهجات أخذت بالتميز والاختلاف تدريجياً حتى أصبحت لغات مختلفة.  وقد ساعد التشابه في اللغة  في تنقل الأفراد وهجرة الجماعات، فلم يكن هناك إشكالية كبيرة في التفاهم.  ومع هذا فقد كان هناك لغة تجارة، وقد سادت الآرامية كلغة تجارة وتفاهم عالميين لأكثر من ألف سنة بدون وجود سلطة سياسية تدعمها وتفرضها، وقد انتشرت انتشاراً واسعاً في معظم العالم القديم.  وفي زمن المسيح عليه السلام كانت اللغة المتداولة في فلسطين، على الرغم من مرور أكثر من ثلاثة قرون على انتهاء الكيان السياسي للآراميين،  وأنها لم تكن لغة بني إسرائيل ولا  لغة فلسطين.  واستمرت لغةً ذات حضور لفترةٍ طويلة.  ولا تزال اللغة الأم لعددٍ من قرى سوريا الى الآن.  إن اللغة الآرامية تعد اللغة الأم للغةِ العربية، وربما ورثت بعض خصائصها القوية.  

وفي الموروث الشعري الغزير، معلومات قيمة أفادت كثيراً، كمصدر للتاريخ في بعض الأحيان،  ولكن من المؤسف أن هذه المعلومات شحيحة.  وقد يُعزى هذا الى بعض خصائص الشعر العربي، وخصوصاً الجاهلي، الذي لم يكن يتضمن وصف اوذكر   وقائع، وإنما كان يركز على الرثاء اوالهجاء اوالفخر اوالمديح، حسب ما يقتضيه الموقف. 

اهتم العرب اهتماماً شديداً بالأنساب.  فقد اختص بعضهم بمعرفة الأنساب، فكانوا يعرفون القبائل وفروعها وعلاقاتها ببعضها البعض.  وقد كان أبوبكر الصديق نسابة. وكذلك اشتهر آخرون في هذا المجال من بينهم " دغفل " الذي عاش حتى زمن معاوية.  وكان قد حصل موقفٌ غير مريح بينه وبين أبي بكر الصديق قبل الهجرة: فقد ورد في العقد الفريد لابن عبد ربه عن علي بن ابي طالب قوله :  لما أمر رسول الله (ص) أن يعرض نفسه على القبائل، خرج مرة وأنا معه وابوبكر، حتى رفعنا الى مجلس من مجالس العرب، فتقدم أبوبكر فسلم.  وكان أبوبكر مقدماً في كل خير، وكان رجلاً نسابة.  فقال :  ممن القوم؟ قالوا من ربيعة.  قال : وأي ربيعة أنتم، أمن هامتها أم من لهازمها ؟ قالوا: من هامتها العظمى.  قال: وأي هامتها العظمى أنتم ؟ قالوا: ذهل الأكبر.  قال أبوبكر: فمنكم عوف بن محلم الذي يقال فيه : لا حر بوادي عوف ؟  قالوا: لا.  قال:  فمنكم جساس بن مرة الحامي الذمار، والمانع الجار؟ قالوا: لا.  قال: فمنكم أخوال الملوك من كنده ؟ قالوا: لا.  قال : فمنكم أصهار الملوك من لخم ؟ قالوا: لا. قال أبوبكر:  فلستم ذهلاً الأكبر، أنتم ذهل الأصغر.  فقام إليه غلام من شيبان يقال له دغفل، فقال:  يا هذا إنك قد سألتنا فأخبرناك ولم نكتمك شيئاً، فممن الرجل ؟  قال أبوبكر: من قريش.  قال:  بخٍ بخٍ ! أهل الشرف والرياسة، فمن أي قريش أنت ؟  قال من ولد تيم بن مرة.  أفمنكم قصي بن كلاب الذي جمع القبائل ؟  قال: لا.  أفمنكم هاشم الذي هشم الثريد لقومه ورجال مكة مسنتون عجاف ؟  قال: لا. فمنكم شيبة الحمد، عبد المطلب، مطعم طير السماء، الذي وجهه كالقمر في الليلة الظلماء؟  قال: لا.  قال: فمن أهل الإفاضة بالناس أنت ؟  قال: لا. فمن أهل السقاية أنت ؟ قال: لا.  فاجتذب ابوبكر زمام الناقة ورجع الى رسول الله (ص).  فقال الغلام :

 

صادف دَر السيل دراً يدفعه    يهيضه حيناً وحيناً يصدعه

 

فتبسم النبي (ص).  فقال علي لأبي بكر :  وقعت على بائقة، أي داهية.  فقال: ما من طامةٍ إلا وفوقها أخرى،  والبلاء موكل بالمنطق، والحديث ذو شجون. [46]

وقد سقنا هذه الرواية بقليلٍ من التصرف لنعطي فكرة عن أهمية الانتساب ومعرفة العرب به.

ومن الأمثلة على قدرة العرب على تتبع النسب نسوق هنا مثالاً آخر:  ذكروا أن يزيد ابن شيبان بن علقمة زرارة بن عدس قال :  خرجتُ حاجاً، حتى إذا كنت في المحصب من مِنى إذا رجل على راحلة معه عشرة من الشباب، مع كل رجلٍ منهم محجن، ينحون الناس عنه ويوسعون له ؛ فلما رأيته دنوت منه، فقلت : ممن الرجل ؟ قال : رجل من مهرة، ممن يسكن الشحر.  قال يزيد : فكرهته ووليت عنه.  فناداني من ورائي :  ما لك ؟  فقلت:  لست من قومي ولستَ تعرفني ولا أعرفك.  قال : إن كنت من كرام العرب فسأعرفك.  قال: فكررت عليه راحلتي.  فقلت: إني من كرام من العرب.  قال :  فممن أنت ؟ : قلت : من مضر.  قال: فمن الفرسان أم من  الأرحاء؟ فعلمت أنه أراد بالفرسان قيساً، وبالأرحاء خندفاً.  فقلت : بل من الأرحاء.  قال: أنت امرؤ من خندف.  قلت : نعم.  قال: من الأرنبة أم من الجماجم .؟  فعلمت أنه أراد بالأرنبة خزيمة، وبالجمجمة بتي إد بن طابخة.  قلت : بل من الجمجمة.  قال : أنت امرؤ من بني إد بن طابخة.  قلت: نعم.  قال: فمن الدواني أم من الصميم؟ فعلمت أنه أراد بالدواني الرباب ومزينة، وبالصميم بني تميم.  قلت : من الصميم.  قال : أنت إذن من تميم.  قلت : نعم.  قال : فمن الأكثرين أم من الأقلين، اومن إخوانهم الآخرين ؟  فعلمت أنه أراد بالأكثرين ولد زيد مناة، وبالأقلين ولد الحارث، وبإخوانهم الآخرين بني عمروبن تميم.  قلت : من الأكثرين.  قال: أنت ولد زيد.  قلت : نعم.  قال : فمن البحور ام من الجدود أم من الثماد ؟ فعلمت أنه أراد بالبحور بني سعد، وبالجدود بني مالك بن حنظلة، وبالثماد بني امرئ القيس بن زيد.  قلت : بل من الجدود.  قال: أنت من مالك بن حنظلة.  قلت : نعم.  قال : فمن اللهاب أم من الشعاب أم من اللصاب ؟  فعلمت أنه أراد باللهاب مجاشعاً، وبالشعاب نهشلاً، وباللصاب بني عبدالله بن دارم.  فقلت: من اللصاب.  قال :  فأنت من بني عبد الله بن دارم ؟  قلت : نعم. قال : فمن البيوت أنت أم من الزوافر ؟  فعلمت أنه أراد بالبيوت ولد زرارة، وبالزوافر الأحلاف.  قلت: من البيوت.   قال :  فأنت يزيد بن شيبان بن علقمة بن زرارة بن عدس، وقد كان لأبيك امرأتان،  أيهما أُمك ؟. [47]   

 

دولة بني الجلندي

كانت دولة الجلندي قائمة في زمن البعثة النبوية.  وقد كانت حالة سياسية خاصة، اختلفت عن الكيانات السياسية العربية التي كانت قائمة في ذلك الوقت، اوالتي تحاول الظهور الى الوجود، مثل دولة بني حنيفة في اليمامة.

كانت عُمان جزءاً من اليمن، وتسكنها قبائل يمنية، وقد استطاع حكامها النأي بدولتهم عن الصراع الروماني الفارسي، فبقيت في حالة استقرار لفترةٍ طويلة، منشغلة بالتجارة العالمية بين الشرق والغرب.  وقد كانت نقطة البداية فيما عُرف بطريق الطيب في أراضيها.  حيث كان يُزرع " اللبان " في عُمان وتحديداً في وادي ظفار.  واللبان هوالذي كان يستخدم كبخور في المعابد والكنائس، وهوناتج ثانوي للشجرة التي تحمل نفس الاسم، حيث يظهر على سطح جذع الشجرة بعد إحداث جروح في لحائها، فيظهر على شكل صمغ.  كان هذا المنتج يصدر الى الدولة الرومانية من خلال البحر الأحمر، ومن خلال طرق برية أخرى .

كما كانت عُمان تتجر مع الهند والصين بحراً.  حيث برع البحارة العمانيون في الملاحة.  وقد كان يمر من خلال عُمان طريق الحرير البحري، الذي كان يربط موانئ الصين بموانئ البحر الأحمر الشمالية، حيث كانت البضائع تتابع براً الى القسطنطينية.  كما كانت السفن العمانية تجلب الخزف الصيني والتوابل الهندية وبضائع أخرى.  كانت خطوط التجارة تأخذ مساراتٍ متعددة، بحيث يتوفر بدائل تُُُُستخدم في الأحوال الأمنية غير المضمونة.  فقد كان هناك الطريق البري، الذي يمر بصنعاء ومكة ( رحلة الشتاء والصيف ) وينتهي في ميناء غزة.  وكان هناك طريق بحري الى ميناء الأبلة ثم براً سالكاً طريق دقلديانوس الى الساحل السوري.

ومعظم سكان عُمان من قبيلة الأزد، وقد أرسلوا موفداً الى الرسول (ص) هوصرد بن عبد الله، حيث أسلم .

 

ديانة العرب في الجاهلية

من المأثور أن إبراهيم ( ع ) هاجر الى مكة مع زوجته، وبنى فيما بعد الكعبة مع ابنه إسماعيل ( ع ).  وهذا مذكورٌ في القرآن. وتتضمن الرواية القرآنية دعاء توجه به النبيان الى الله بأن يبعث نبياً للأمة التي ستنشأ في هذه البقاع. وقد استجاب الله دعاءهما بنبوة محمد  (ص)،  بعد ما يقارب من ألفي عام.

كما هومتواتر ومؤكد أن وجود إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام في منطقة مكة قد سجل نجاحاً ملحوظاً بنشر تعاليم الدين الحنيف، دين إبراهيم، المسمى أيضاً " الحنيفية "  وهوأيضاً " الإسلام ".  فقد وصف القرآن إبراهيم على أنه مسلم.  والدليل أن الحنيفية لاقت رواجاً وتبعية بين العرب، أنها بعد الفي عام كان لها بقايا وجود في ديانة عرب الجاهلية، اوعلى الأقل بعض شعائرها مثل شعائر الحج. 

وبالتالي فعند الحديث عن ديانة العرب يجب ان يُنظر إليها على أنها تحريف للديانة الحنيفية.  ومن أهم التحريفات العودة الى الوثنية وإنكار البعث.  وهذا مع إقرارهم  بألوهية الله.  والأوثان عنت تعدد الآلهة وبالتالي الشرك.  كانت بعض القبائل تؤمن بشكلٍ من أشكال البعث، حيث كانت تمارس بعض الطقوس الدالة على ذلك، فقد كانوا يربطون ناقة الميت على قبره بعد سمل عينيها، لكي يستخدمها حين يُبعث.

وحسب كتاب يعود للقرن الرابع الميلادي، لمؤلف اسمه سوزومينوس أن " العرب دانوا في بداية أمرهم بالشريعة التي أخذوها من العبرانيين القدماء " وهذا من المفترض أن يعني شريعة إبراهيم وإسماعيل (وكذلك إسحاق ويعقوب ويوسف)، " ولكنهم لم يلبثوا أن بدلوها بشريعة الشعوب المجاورة لهم فقدسوا آلهة تلك الشعوب وتخلقوا بأخلاقهم ". [48]

وعموماً لم يكن العرب يعطون الدين كثيراً من الأهمية.  فمعظم أديان العالم تسعى الى الترويح عن البشرية في مسائل أرقتها  منذ الأزل، مثل الموت مثلاً، فعولجت هذه القضية في غالبية الأديان  بإحدى طريقتين، إما بالوعد بحياة أخرى بعد نهاية الحياة على الأرض.  اوبالإيمان بالتناسخ، وهوأن الإنسان سيولد إنساناً آخر بعد موته، اوبكليهما. وقد شكل هذا، بغض النظر عن صحة هذا الدين اوذاك، مصدراً للراحة لملايين البشر الذين فقدوا أعزاء لهم عبر العصور اوتملكهم خوف من الموت. 

 وقد استنكر العرب أكثر ما استنكروا من رسالة النبي (ص) التوحيد " أََََََََََََجَعَلَ اْلآلِهَةَ إِلَِهَاً وَاَْحِدَاً، إِنَّ هَذَاْ لَشَيْءٌ عُجَاْبٌ " [49] والبعث "وَقَالُوا أََءِذَاْ كُنَّا عِظَامَاً وَرُفَاتَاً، أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقَاً جَدِيدَاً " [50] .  وهذا يعني أن الأمر كان مستبعداً تماماً بنظرهم.

ومما يدل على أن العرب لم يكن الدين يشكل لديهم شيئاً مهماً، أن حروبهم، على كثرتها، لم يكن أيٌ منها لأسباب دينية.  دفاعاً عن عقيدة.  حتى عندما هوجمت الكعبة من قبل الأحباش برز موقفٌ سلبيٌ من قبل أهم رموز قريش، عبد المطلب، الذي قال لأبرهة الحبشي في الرواية المعروفة " للبيت ربٌ يحميه ".  ولم يشتهر العرب في التوجه للآلهة في صلوات خاصة قبل الذهاب الى المعركة، عُرف عنهم الاستقسام بالأزلام قبل اتخاذ قرار الحرب، وهونوع من العرافة ولا يمت للدين بصلة.  كما لم تعرف عنهم عادة تقديم القرابين بعد العودة من الغزوغانمين.  ولا أذكر أني قرأت قصيدة لشاعرٍ جاهلي يذكر هبل اومنات او أياً من أصنام العرب الأخرى فيها.  بل على العكس، فإن كثيراً من قصائد الجاهليين التي تطرقت الى الجانب الأخلاقي بدت وكأنها إسلامية.  ومن هذه القصائد ما استحسنه الرسول  (ص) مثل قصيدة سويد بن عامر، حيث قال عنه الرسول أنه  لوأدرك الإسلام لأسلم.  وكذلك قصيدة لعنترة يتحدث فيها عن عفته وأخلاقه تجاه جاراته، وهي أخلاق إسلامية وليست جاهلية:

      وأغض طرفي ما بدت لي جارتي       حتى  يواري  جارتي  مأواها

 

لم يكن لتعدد الأصنام، تأثير على وحدة العرب، ولم يكن يسبب  تنافساً بين عابديها ولا تعصباً،  فلم يُسمع عن مقارنة في المقدرات لكلٍ منها، اودعوة أحد للتحول من عبادة صنمٍ الى آخر.

أما صيحة أبي سفيان يوم أُحد " اعلُ هبل " [51] فلا أظنها إلا رد فعل مرتجل لصيحة المسلمين الله أكبر.  ولم يُسمع بإطلاق هذه الصيحة في معركة أخرى .

أما بالنسبة للتحول الى الوثنية فهناك أكثر من رواية.  مثل ما ورد في كتب السير أن عمروبن لحي أحضرها من الشام، وهوجد قبيلة خزاعة.  وفي روايةٍ أخرى، أن أهل مكة اعتادوا حمل بعض أحجار مكة عند سفرهم خارج مكة، حيث كانوا يطوفون حولها حيثما حلوا، حيث تطور الأمر إلى تشكيل هذه الحجارة.  وأغلب الظن أن الوثنية عادت الى ديانة العرب نتيجة لتأثرهم بالديانات السائدة في محيطهم.  وعموماً أظهر البشر ميلاً لعبادة ما هومحسوس ومرئي.  وقد سجل التاريخ جنوحاً من هذا النوع في بعض مراحل تطور بعض الأديان.  فبعد خروج بني إسرائيل من مصرصنعوا العجل وعبدوه كما ورد في القرآن.  كما كان هناك خلاف حاد في أوساط رجال الدين المسيحي حول الصور والتماثيل في القرن الرابع حُسم، في النهاية، لصالح مؤيدي الصور والتماثيل.  كما ورد في كتب السير أن بعض المسلمين (الحديثي العهد بجاهلية كما يبدو)  طلبوا من الرسول (ص) عند مرورهم بشجرة كانت العرب تقدسها ويسمونها " ذات أنواط " وهي مظهر وثني، فطلبوا منه أن  يجعل لهم ذات أنواط. [52]

فقد يكون التحول الى عبادة الأصنام بدأ بعبادة السلف، كما حدث في أميركا – ما قبل كولومبوس – اوعبادة الملوك اوالشخصيات المميزة، كما حدث في الهند، فصنعت لهم التماثيل لكي ترمز إليهم  وتميز بينهم.  ومن المعروف أن لفظ  " إيل " يعني الله في معظم اللغات السامية.  وبالتالي فإن أسماء ميكائيل وإسرائيل حيث يظهر لفظ إيل بوضوح، وكذلك جبريل وخليل حيث الهمزة مدغومة، تعني اسماً مضافاً الى اسم الرب.  مثل أسماء عبد الله ورزق الله وغيرهما.  ويمكن أن ينطبق الأمر نفسه على بعض الأسماء العربية الأخرى مثل وائل ونائل التي قد تكون محرفة عن وائيل ونائيل وهكذا لتعني، بالتالي، اسماً مضافاً لاسم الرب.  كما يمكن أن يكون هبل محرف عن  " هب – ئيل " والذي ربما عنى هبة الله.  وربما كان يطلق على شخص كان له دورٌ مميز، وقُدس بعد مماته. 

     

لم تكن ديانة العرب موحدة ومتجانسة تماماً.  فقد تفشت المسيحية في ربيعة وغسان وقضاعة.  كما تفشت اليهودية في نمير وبني كنانة وبني الحرث بن كعب وكندة.  وكذلك انتشرت المجوسية في بني تميم.   أما عبادة الأصنام فقد كانت أكثر شيوعاً، وقد كان لكل قبيلةٍ صنمها الخاص.  ففي مكة كان هناك أصنام عدة.  مثل هبل الذي وضع داخل الكعبة، وإساف ونائلة على موضع زمزم، حيث كانوا ينحرون عندها.  وكان لقريش وبني كنانة العزى ولثقيف اللات وللأوس والخزرج مناة. [53] وكان ذوالخلصة لدوس وخثعم وبجيلة، وكان ذوالكعبات لبكر وتغلب وإياد، وفلس لطيء . [54] وطبعاً لم يكن ليعبد هذه الأصنام من اتخذ ديانةٍ أخرى من بين أبناء هذه القبائل، فقبيلة تغلب، على سبيل المثال، كان كثيرٌ من أبنائها على المسيحية.

ولكن كان يتفق الجميع على شَعيرة الحج ويمارسونها بنفس الطريقة، وبنفس الموعد وبنفس المكان، أي مكة.  كما يتفق الجميع على تعظيم الأشهر الحرم.  وهي أربعة أشهرٍ في السنة يمنع فيها الاقتتال وسفك الدماء.  وهي، على ما يبدو، جزء من العقيدة الحنيفية، بدليل أن الإسلام حافظ عليها.  وقد كانت هذا النظام ضرورة جعلت درجة الالتزام به  بين القبائل والأفراد عالية جداً.  وقد كانت هذه الأشهر، التي تُفرض فيها هدنة شاملة تلقائياً، تعطي الأفراد والجماعات الفرصة للقيام ببعض الأعمال الخاصة  دون خشية الإنتقام .

ونسوق القصة التالية من أيام العرب للدلالة على مدى التقيد والالتزام بالأشهر الحرم.  ففي يوم حوزة الذي غزا به معاوية بن عمروبن الشريد هاشم بن حرملة أحد بني مرة من غطفان، حيث قُتل معاوية.  " فلما دخل رجب ( وهوأحد الأشهر الحرم)، ركب صخر وأتى بني مرة.  فلما رأوه قال هاشم : هذا صخر فحيوه وقولوا له خيراً.  فقال لهم : من قتل أخي؟  فسكتوا " فألح في السؤال "،  فقال له هاشم : إذا أصبتني اودريداً، أصبتَ ثأرك.  فقال : هل كفنتموه ؟  قالوا : نعم، في بُردين، أحدهما بخمسٍ وعشرين بكرة ". [55] وصخر هذا هوأخوالخنساء، الذي ما فتئ أن قُتل ورثته الخنساء في قصائد كثيرة.

كما كان الاقتتال محرماً في منطقة " الحرم " أي في مكة وما حولها طوال العام.

ومن المرات القليلة التي حصل فيها قتال في الحرم ما سمي بحروب الفجار. وسميت كذلك لدلالةٍ واضحة.  وقد كان هناك حرب الفجار الأولى والثانية والثالثة والآخرة، أي أربعة. [56]    

كان العرب يعتقدون أن عقاباً ربانياً يقع على من يرتكب خطايا يتمثل بعقاب دنيوي مثل المرض كالجذام والبرص.

كانت الاستقسام بالأزلام.  حيث كان المُزْمِع اتخاذ قرارٍ هام يلجأ الى الأزلام.  وهي وسيلة للتأكد من صحة اتخاذ قرار مزمع المضي به ؛ من سفر اوبيع اوزواج، بسحب واحد من مجموعة أعواد يشير كل منها الى دلالةٍ معينة، فيستنتج المُستقسم ما يتوجب عليه فعله اوتجنبه .

وقد أجرت قريش بعض التعديلات في بعض الطقوس الدينية قبل البعثة النبوية.  وقد حدث ذلك، على الأغلب، بعد عام الفيل، حيث اعتبر القرشيون ذلك نصراً لهم، على الرغم من أنهم لم يساهموا في صنع القرار.  فتركوا الوقوف على عرفة، والإفاضة منها.  بحجة أنهم أهل الحرم ولا حاجة لهم بالخروج من الحرم.  وجعلوا لمن وُلد في الحرم، ما جعلوا لأنفسهم.  وسموا أنفسهم الحمس، وحرموا على أنفسهم أموراً تتعلق بالملبس والمأكل.

موقف بعض المتنورين العرب

وقد كان هناك دائماً من يعتقد بأن العرب حرفوا دين إبراهيم عليه السلام، ويجهدون محاولين العودة ما أمكن الى الحنيفية، الدين غير المحرف.  ومنهم سويد بن عامر المصطلقي، الذي كان يجهر باعتقاده بالبعث، على عكس ما كانت العرب تعتقد.  وعامر بن الظرب العدواني، الذي كان يقول لقومه : " إني ما رأيت شيئاً خلق نفسه " فلا بد من وجود خالق.  والملتمس بن أمية الكناني، الذي كان يناشد قومه قائلاً : "  أطيعوني ترشدوا، لقد اتخذتم آلهةً شتى، وإن الله ربكم ورب ما تعبدون "، وكذلك كان زهير بن أبي سلمى الشاعر المعروف. 

كما كان هناك كثيرون في زمن البعثة، منهم ورقة بن نوفل وزيد بن عمروبن النفيل وقس بن ساعدة الإيادي. [57]   

وكان الرسول قد تذكر قساً وسأل عنه وفد إياد عندما قدموا عليه، وكان قد رآه في موسم عكاظ يخطب بالناس من على جمله داعيهم الى عبادة الله وحده.

 

الصراع الروماني الفارسي في القرن السابع

يعود الصراع الروماني الفارسي الى ما هوأقدم من القرن السابع.  إلا أن فصلاً دامياً آخر قد تم تسطيره بين ألإمبراطوريتين.  ففي عهد الإمبراطور فوكاس، الإمبراطور الأخير في أسرة جستنيان،  قامت الجيوش الفارسية بمهاجمة أراضي الإمبراطورية، فاخترقت أرمينيا، وتوغلت في في آسيا الصغرى وسوريا، حيث نزح رجال دين الى مصر ومعهم كثير من الناس. [58] حيث انتهز الفرس الوضع السئ الناجم عن اضطهاد فوكاس لأتباع مذهب الطبيعة الواحدة في ولايات الإمبراطورية المختلفة، وخصوصاً في الشرقية منها،  حيث يكثر أتباع هذا المذهب في أوساط الشعوب الشرقية، الأمر الذي نجم عنه نقمة شديدة ارتقت الى حد الثورة في بعض الأقاليم.  كما تذرع ملك الفرس خسروالثاني بمقتل الإمبراطور الروماني موريس، على يد فوكاس بعد أن ثار عليه الجند.  وكان موريس قد ساعد خسروفي توطيد حكمه عندما استلم السلطة. [59]

دفع الوضع الناجم عن الهزيمة أمام الفرس على الحدود وحالة الغليان الموجودة في الداخل النخبة الحاكمة في القسطنطينية، الى دعوة هرقل الذي كان حاكماً في شمال إفريقيا للحضور لتسلم السلطة والخروج من المأزق.

اكتسب هرقل سمعةً طيبة لنجاحه في النأي بولايته عن المشاكل الناجمة عن سياسات فوكاس، فقد كان كبير السن ومستقيماً.

استجاب هرقل للدعوة وجهز أسطولاً سلم قيادته لابنه الذي كان يحمل الاسم نفسه وهوهرقل.  وتقدم نحوالعاصمة ببطءٍ شديدٍ، مروراً بعددٍ من جزر المتوسط  والمدن الواقعة في الطريق الى العاصمة، حيث انضمت إليه قوات إضافية في كل بلدٍ يمر فيه.  وفي عام 610 م دخل القسطنطينية بعد قتالٍ يسير،  حيث تخلى عن فوكاس معظم أتباعه وتم تتويج هرقل إمبراطوراً.  وبهذا بدأ عهد أسرةٍ جديدة، وهي أسرة هرقل. [60]

بدأ هرقل عهده بتركة ثقيلة، فقد كان الوضع الداخلي سيئاً جداً، فالخراب والدمار في كل مكان، والوضع الاقتصادي سيئ للغاية. وعلى الجبهة الغربية كان السلاف والآفار يضغطون بشدة ويشكلون خطراً كبيراً. وعلى الجبهة الشرقية والجنوبية  كان الفرس يواصلون اكتساحهم لولايات الإمبراطورية في آسيا الصغرى وسوريا.  لقد كان الوضع سيئاً لدرجة جعلت هرقل يفكر بنقل عاصمته الى شمال إفريقيا لينطلق من هناك كما فعل آنفاً.  إلا أن مقاومة قوية ظهرت من قبل النخبة السياسية والبطريركية. 

يعتبر هرقل من أعظم الأباطرة في التاريخ الروماني، وإن اتخذ روما مثالاً له في الحكم، فقد تبنى اللغة والثقافة اليونانية.  فمنذ عهده انتحت بيزنطة منحىً ثقافياً يشوبه الطابع اليوناني،  مما ساعد على توسعة الهوة بينها وبين روما. [61]  

كان الأمر يتطلب إصلاحاً جذرياً، فقد شحت الموارد، وساءت أحوال البلاد الاقتصادية والمالية، وأصيبت الأجهزة الحكومية بالشلل.  فكان لا بد من إجراء حركة تجديد شاملة تنال الجوانب الإدارية والتنظيمية والجيش وأساليب التجنيد والتدريب.  وقد ادخرت بيزنطة في أوساطها من المهارات والقدرات والخبرات المتراكمة ما جعل حركة انبعاث ممكنة حتى في ظروف صعبة كهذه، خاصةً مع وجود إمبراطور مثل هرقل.

وفي هذه الأثناء استمرت الجيوش الفارسية في التقدم.  ففي عام 613 م، وبعد أن توغلت في آسيا الصغرى اتجهت جنوباً لتهاجم إنطاكية وحمص ومدناً سورية أخرى، حيث هزمت الحاميات الرومانية.  ثم تقدمت نحودمشق واحتلتها.  وفي عام 614 م حاصرت قوات فارسية القدس التي سرعان ما استسلمت لها، ودخلتها.  إلا أن أهالي البلدة ثاروا على المحتلين الفرس ونجحوا بطردهم الى خارج أسوار المدينة، ولكن سرعان ما دخلها الفرس ثانيةً عنوة،  حيث أنزلوا باهلها القتل وبالمدينة السلب والنهب. [62] ثم أضرموا النار في المدينة بعد أن استولوا على الصليب المقدس ونقلوه الى عاصمتهم المدائن، وأحرقوا كنيسة القيامة. [63]

بعد الاستيلاء على كامل سوريا، اتجه جزء من الجيش الفارسي شمالاً الى آسيا الصغرى حيث توغل أكثر شمالاً وغرباً واحتل أجزاءً منها من بينها مدينة خلقيدونيا ذات الأهمية الدينية الخاصة.  أما الجزء الآخر من الجيش الفارسي فقد اتجه نحومصر وتمكن من احتلالها خلال عامي 618 و619 م.  وإذا كان فقدان القدس كارثة معنوية كبيرة،  فقد كان فقدان مصر خسارة اقتصادية لا تعوض، فمصر كانت  مصدر الحنطة الرئيسي بالنسبة للقسطنطينية.  دخلت بيزنطة مرحلة غير مسبوقة، سواءً داخلياً أم خارجياً.  

 

في هذه الأثناء بُعث محمد نبياً في مكة.  فقد وُلد علية السلام في عام 570 م لأبوين قرشيين. وعند بلوغه سن الأربعين بدأ اتصاله بالوحي، حيث بدأ يتنزل عليه القرآن وطُلب منه أن يدعولدين الإسلام.  وعندما هزمت الجيوش الرومانية في بلاد الشام المتاخمة للحجاز، كان للدعوة الجديدة أتباعها وأعداؤها.  وصلت الأنباء الى مكة، المدينة التجارية غير المنقطعة عن العالم.  ففرح أعداء الإسلام بهذه الأخبار وشمتوا واستهزؤوا، كما اغتم المسلمون وحزنوا.  فقد كان الربط بين الديانتين واضحاً تمام الوضوح، لكلا الطرفين المسلمين، أتباع الدين الجديد، وأعدائهم من صناديد قريش .

عند ذلك نزلت سورة الروم، تُطمئن المسلمين وتبشرهم بأن نصر الروم على الفرس قريب.  " الم.  غُلِبَتِ الرُّومُ.  فِي أَدْنَىْ اْلأرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ.  فِيْ بِضْعِ سِنِيْنَ، لِلَهِ الْأَََمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمًؤْمِنُوْنَ.  بِنَصْرِ اَللهِ، يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوالْعَزِيْزُ الْرَّحِيْمُ" [64]   وتذكر الروايات أن هذا الموضوع كان موضع نقاش وسجال بين ابي بكر، الذي كان من اول من آمن بالرسالة المحمدية،  وبين بعض مشركي قريش، لدرجة أنهما تراهنا، بعد نزول السورة، على نصرٍ قريب للروم على الفرس، فكان الخلاف لاحقاً، بعد انتصار الروم، على تفسير كلمة " بضع " التي لها، على ما يبدوأكثر من تفسير عددي؛ فمن قائل أنها تعني من واحد الى سبعة اومن واحد الى عشرة. على كلٍ صدقت النبوءة وانتصرت الجيوش الرومانية في سلسلة من المعارك انتهت باستعادة كافة الأقاليم التي تم استيلاء الفرس عليها. وللتأكد من صحة البعد الزمني في النبوءة ، نقول أن لا أحد يعرف متى تم بحث المسألة بين أبي بكر والشخص الآخر، هل تم بعد احتلال القدس في عام 614 م؟. غالباً ما لا يكون هذا ممكناً لأن الدعوة كانت غير معلنة في ذلك الوقت ولم تكن معروفة لدرجة أن يكون لها مناوئون.  أم أن المناقشة تمت بعد إتمام احتلال مصر عام 619 م ؟.  في هذه الحالة فإن حسم المعركة لصالح الروم كما سنرى تم في سنة 627 م.  أي خلال أقل من عشر سنوات.  وبالتالي تكون النبوءة قد تحققت بالكامل.

ولكن أهم ما في السورة أن أتباع محمد اعتبروا أنفسهم وأتباع عيسى في نفس المعسكر، يغتمون لهزيمتهم ويفرحون لنصرهم.  ولكن خلال سنوات لا تتعدى العشر من انتهاء الصراع الفارسي الروماني يبدأ صراع مرير ودموي آخر،  بين أتباع النبيين العظيمين.  فماذا حدث؟.

 

وعودة الى هرقل ومحاولاته لاستعادة السيطرة على زمام الأمور.  فعلى الرغم من أن الوضع العسكري للإمبراطورية كان في الحضيض، حيث تلقت في السنوات الأخيرة ضربات قاسمة أدت الى فقدان الكثير من الأقاليم، كما كان الوضع الاقتصادي والمالي للدولة في غاية السوء نتيجةً  للمصاريف الهائلة للحروب ونتيجةً لفقدان مصادر دخل مهمة، على الرغم من كل هذا رأى هرقل أن الأولوية للإصلاح الإداري وإعادة التنظيم استعداداً لهجوم مضاد، وخاصةً أن شاه الفرس، خسرو، رفض عقد هدنة.

بدأ هرقل  بإلغاء نظام " الأقاليم " المعمول به منذ دقلديانوس، واستعاض عنه بأقاليم عسكرية كبيرة سماها themes أي الأجناد، [65] ويتولى قيادتها قائد عسكري يسمى إستراتيجوس، ويتطلب هذا  الأمر استقرار الجنود في الأقاليم ومنحهم أراضي تورث لأبنائهم كما تورث الخدمة العسكرية، وهذا ما جعل هذه التنظيمات الإدارية الجديدة ذات طابع عسكري بالدرجة الأولى، وبالتالي تساعد بشكلٍ أفضل في جهد الإمبراطورية الحربي، للدفاع عن حدودها ولاستعادة أقاليمها الضائعة.

لقد نجم عن هذا النظام بناء جيشٍ يتكون من أبناء الإمبراطورية، بدلاً من الاعتماد على عناصر مرتزقة من قومياتٍ اشتهرت تاريخياً بميلها للقتال يتم تجنيدهم بمقابل مادي. ومن أجل الإمعان في الإفادة من النظام الجديد،  قامت الدولة بنقل مجموعات موالية الى المناطق الحدودية وأقطعتهم أراضي فيها وضمتهم الى قطاعاتها العسكرية، وبهذا تمكنت الإمبراطورية من تأسيس وحدات عسكرية كبيرة مطعمة بدماءٍ جديدة وتتحلى بانتماءٍ لم يكن معروفاً.

كما رافق ذلك تغييرات في الإدارة المركزية، بحيث أصبحت قادرة بشكلٍ اكثر فاعلية على خدمة الجهد الحربي للدولة.

وساهمت الكنيسة في الجهد الإصلاحي لهرقل، ولم تقتصر مساهمة الكنيسة على الدعم المعنوي على أهميته، إنما امتدت الى الجانب المادي.  فقد كانت خزينة الدولة خاوية، فقامت الكنيسة بتقديم كل ما لديها من أموال وتحف فضية وذهبية حيث تم صهرها وتحويلها الى نقود. [66]  

بدأ هرقل نشاطه العسكري المضاد الموجه ضد الفرس في عام 622 م.  فبعد احتفال ديني كبير غادر القسطنطينية الى آسيا الصغرى، بعد أن أبرم معاهدةً مع الآفار مقابل دفع مبلغ كبير من المال لهم رغم الوضع المالي السيئ. [67]   وأمضى فصل الصيف في جمع وتدريب الجنود ووضع الخطط، كما أعاد تشكيل قواته.  وقام بإنشاء قوة جديدة من الفرسان الرماة. [68]

ومع حلول الخريف بدأ هرقل  العمليات العسكرية.  بدأ بمناورة عسكرية خلف القوات الفارسية حيث واجهها شمال شرق آسيا الصغرى.  فاضطر الفرس الى تجميع قواتهم والانسحاب من مناطق متعددة في آسيا الصغرى،  والتخلي عن مواقع حصينة كانت بيدهم من أجل مواجهة الروم في الشرق.  وجرت المواجهة  في معركة كبرى،  كانت الغلبة فيها لجيش هرقل.  وعلى الرغم من هزيمته في هذه المعركة،  رفض خسروالصلح،  فتقدم الجيش الروماني متوغلاً  في الأراضي الفارسية.  واحتل عدة مدن وأحرقها.  واستمر القتال دون حسم لأيٍٍٍ من الطرفين، حتى أن جيشاً فارسياً  توغل في آسيا الصغرى وتمكن من الوصول الى أسوار القسطنطينية، وحاصرها بالتنسيق مع الآفار، الذين نقضوا الصلح المتفق عليه مع الإمبراطورية، وتم  ذلك في عام 626 م.  وقد تم هذا بناء على تنسيقٍ مسبق بين الفرس والآفار.  وقد استبسلت حامية المدينة في الدفاع عنها،  تحت قيادة تيودور،  أخي هرقل، في الدفاع عنها، وأوقعت خسائر جسيمة في القوات المهاجمة سواء  أكانت فارسية ام آفارية،  حيث اضطر الجيش الفارسي الى فك الحصار ومن ثم الانسحاب من آسيا الصغرى كلها. 

 وقد حدث هذا وهرقل بعيدٌ عن عاصمته، ولم تجعله حركة الالتفاف البارعة التي قام بها الفرس، ولا غدر الآفار أن يغير من خططه ويجعله  يهرع الى العاصمة، ربما كان هذا ما كان يبغيه الفرس أصلاً.  ولكن سرعان ما استعاد هرقل  المبادرة من جديد، بعد فك الحصار، الذي بقي مرابطاً في شرق آسيا الصغرى يمارس نشاطه العسكري كما أراد.  فتقدم هرقل بجيشة متوغلاً في الأراضي الفارسية ثانيةً،  فالتقى الجيشان قرب نينوى حيث حلت الهزيمة بالجيش الفارسي.  وكانت الهزيمة كبيرة لدرجة لم يستطع خسروإعادة تنظيم قواته، فاستولى هرقل على مدينة دستجرد ( إصطخر )، ذات الأهمية الخاصة للفرس، فقد كانت مدينة الفرس المقدسة والعاصمة الصيفية، ودخل قصر خسروفيها ونهبه.  وتراجع خسروالى العاصمة المدائن.  ومع اقتراب الجيش الروماني منها  فر خسروثانيةً  ليَقبض عليه إبنه قباذ شيرويه، الذي استلم السلطة وعمل على إيقاف النزاع.  أما خسروفإنه  مات بعد ذلك بقليل. [69]

أرسل الملك الفارسي الجديد الى هرقل يطلب الصلح،  معتذراً عن أفعال سلفه.  وقد أطال في استعطاف العاهل الروماني، حيث خاطبه باسم " عمي ".  قبل هرقل المرهق بالمبادرة، ووقع بين الطرفين الصلح.  بعد مفاوضات لم تكن مطولة، حيث تم بناءً على ذلك  الانسحاب من كافة الأراضي المحتلة من قبل الفرس،  مصر وسوريا وآسيا الصغرى،  وإطلاق سراح الأسرى وإعادة المنهوبات وخاصةً الصليب المقدس.

وهكذا انتهت ستة عشر عاماً من الحروب بين الإمبراطوريتين، خرجت منه الإمبرطورية الرومانية منتصرة، ومنهكة، ولكن أيضاً استطاعت أن تُجدد  شبابها وأن تستعيد عظمتها، ليس بالنصر الذي أحرزته ولكن بالتغييرات التي أحدثها هرقل.  فقد تحطمت قوة الفرس في معركة نينوى، ولم تعد دولتهم تُشكل خطراً على الإمبراطورية الرومانية.  كما ضعف الآفار بعد هزيمتهم في معركة القسطنطينية الى درجة خروج الصقالبة عليهم.  الذين كانوا لغاية ذلك الوقت جزءاً منهم.  وأصبحوا جزءاً من الصراع في الحروب الآتية، واختفى الآفار من المسرح السياسي كقوة مؤثرة.   وتعزز موقع الإمبراطورية من جديد، فبعث ملك الهند يهنئ بالنصر، وبعث ملك الفرنجة يطلب عقد معاهدة. [70]

عاد هرقل الى عاصمته مزهواً  بنصره، وهو الذي بقي ممتطياً صهوة جواده لمدة ست سنوات، وذلك في  سنة 628 م  بعد أن نظم أمور الولايات المستعادة . [71]  

 




[1]  العرب على حدود بيزنطة وفارس.

[2]  تاريخ سوريا ولبنان ومصر .

[3]  نفس المصدر .

  [4]  تاريخ سوريا ولبنان وفلسطين .

[5]  نفس المصدر.

[6]  تاريخ الجنس العربي ج 1-2.

[7]  العرب على حدود بيزنطة وفارس.

[8]  تاريخ الجنس العربي.

[9]  العرب على حدود بيزنطة وفارس.

[10]  تاريخ سوريا وفلسطين ولبنان نقلاً عن نصوص سومرية دينية لإدوارد شيرا.

[11]  تاريخ الجنس العربي نقلاً عن جواد علي .

[12]  في العربية السعيدة، محمد عبدالقادر بافقيه.

[13]  تاريخ الجنس العربي ج 1 .

[14]  نفس المصدر .

[15]  تاريخ الجنس العربي.

[16]  نفس المصدر.

[17]  في العربية السعيدة ، بافقيه.

[18]  تاريخ الجنس العربي.

[19]  العرب على حدود بيزنطة وفارس .

[20]  العرب على حدود بيزنطة وفارس.

[21]  سورة البروج، آية 4 الى 8.

[22]  تاريخ الجنس العربي ج 5.

[23]  في العربية السعيدة، بافقيه.

[24]  تاريخ الجنس العربي نقلاً عن جواد علي.

[25]  تاريخ الجنس العربي ج 5.

[26]  سورة الفيل.

[27]  السيرة النبوية  لإبن هشام .

[28]  كتاب الإكليل.

[29]  في اليمن السعيد، بافقيه.

[30]  تاريخ سوريا ولبنان وفلسطين .

[31]  في العربية السعيدة، بافقيه.

[32]  نفس المصدر.

[33]  العرب على حدود بيزمطة وايران.

[34]  في العربية السعيدة، بافقيه.

[35]  العقد الفريد .

[36]  العرب وأوروبا.

[37]  تاريخ سوريا ولبنان وفلسطين.

[38]  السيرة النبوية لإبن هشام.

[39]  خلفاء الرسول .

[40]  العقد الفريد .

[41]  العقد الفريد ج 6.

[42]  العقد الفريد.

[43]  الروض المعطار.

[44]  العقد الفريد.

[45]  الروض المعطار.

[46]  العقد الفريد ج 3.

  [47]  العقد الفريد ج 3.

[48]  العرب على حدود بيزنطة وفارس.

[49]  سورة ص 5 .

[50]  سورة الإسراء، 49.

[51]  السيرة النبوية لإبن هشام.

[52]  نفس المصدر.

[53]  المستظرف في كل فن مستطرف.

[54]  السيرة النبوية لإبن هشام .

[55]  العقد الفريد ج 6.

[56]  السيرة النبوية لإبن هشام.

[57]  السيرة النبوية لإبن هشام

[58]  تواريخ سريانية / تاريخ يعقوب الرهاوي.

[59] الدولة البيزنطية للدكتور السيد العريني.

[60]  الإمبراطورية البيزنطية وحضارتها.

[61]  الدولة البيزنطية للدكتور السيد العريني.

[62]  الإمبراطورية البيزنطية وحضارتها.

[63]  الدولة البيزنطية وحضارتها.

[64]  سورة الروم، آية 1 الى 5.

[65]  الدولة البيزنطية للعريني.

[66]  الدولة البيزنطية للعريني.

  [67] نفس المصدر.

[68]  الدولة البيزنطية وحضارتها لعمران

[69]  الدولة البيزنطية وحضارتها .

[70]  الدولة البيزنطية للعريني.

[71]  الدولة البيزنطية وحضارتها.

[72]  صحيح السيرة النبوية.

[73]  السيرة النبوية لإبن هشام.

 
 

 


تعليقات

لا يوجد تعليقات

الإسم   
البريد الإليكتروني (ليس للنشر)    
التعليق  
هل توافق على الانضمام لمجموعتنا البريدية؟
  أرسل

 

Counter