تعزيز تنافسية صناعة الألبسة - الفصل الثالث-دور الإدارة العليا
 
 


الفصل الثالث

دور ألإدارة العليا في تعزيز ألإنتاجية

 

 للإدارة العليا دورٌ كبير في خلق أوضاع تنظيمية وإدارية وثقافية  ينجم عنها إنتاجية أعلى.    وهذا الدور يعتمد على مقدار توفر عدد من المهارات  والقدرات في أعضاء هذه الإدارة.  وفيما يلي إستعراض لهذه المهارات، ودور كل منها في تعزيز الإنتاجية: 

 

المهارات القيادية   

الإدارة العليا هي التي تتولى قيادة المؤسسة، وتضع السياسات العامة والنظم وتحميها بالمتابعة وتديمها بالتطوير.  وبالتالي فإن للإدارة العليا التي تمتلك مهارات قيادية متميزة دورٌ كبير في خلق ظروف أكثر موائمة لإنتاجية أفضل.  ولذلك فإن إدارة بمهارات قيادية عالية يجب أن تكون في موقع المسؤولية في المؤسسة، كما يجب أن يكون هناك جهداً منظماً لتنمية هذه المهارات والمقدرات القيادية لدى الإداريين.  وقد يبدو هذا طرحاً غير قابل للتطبيق،  فمن يقود هذا الجهد؟.  ولمن يُوجه؟.  ليس من اللامعقول أن يُقاد هذا الجهد من قبل نفس المجموعة من الإداريين الذين يُتوقع أن تستفيد منه.  وهذا يصبح ممكناً إذا سادت أوساط المؤسسة ثقافة تشجع التعليم المستمر ورفع المهارات المختلفة للإداريين بما في ذلك الإدارة العليا.  وتشجع كذلك قناعة لدى الجميع، بما في ذلك المدير العام، بالحاجة الى ذلك.

وهناك وسائل اخرى لتنمية المهارات القيادية من ضمنها المشاركة في بعض ورشات العمل المخصصة لهذه الغاية وكذلك الدورات التعليمية.  كما ان القراءة تفيد كثيراً.  وكذلك التدريب الذاتي سواءاً  بمساعدةٍ  خارجية او بدون.  وهذا الأسلوب يجدي كثيراً مع الأشخاص الجادين الذين يودوا أن يغيروا ما بأنفسهم،  وأن يحولوا شخصياتهم، إن بإمكان الإنسان التحول بالإعتماد قواه الذاتية.  فأفضل معلم للإنسان الناضج هو نفسه.

كثيرٌ من المدراء يستعينون بمساعدةٍ خارجية إستشارية للمساعدة في مجال الإدارة،  تماماً كما يفعل السياسيون في الغرب.  وهذا نهجٌ  جيد.  يستطيع كثيرون الإستفادة منه،  كما يفشل آخرون.  ولكن إذا ما  نجحت تركيبة القائد/الإستشاري بالإنسجام والتكامل فيما بينهما،  فإنها تصنع المعجزات.

وحقيقةً أن هناك اوقاتاً في تاريخ الأمم يكثر فيها ظهور القادة المميزون –كما يزداد عدد المبدعون عموماً– وتتميز هذه الأوقات بظهور ثقافة جديدة (دين جديد او آيدولوجيا جديدة).  وهذا ينطبق الى حدٍ ما على المؤسسات.  ففي ظروف تًبًنّي ثقافةً جديدة تصاحبها تغيرات جذرية،  تزداد فرص ظهور مدراء يتمتعون بمهاراتٍ قياديةٍ عالية كما يفجر طاقات إبداعية.  وهذه ظاهرة تستحق أن تُدرس على صعيد مؤسسات تجارية وصناعية، كما تُدرس على صعيد أُممٍ وشعوب.  والتحقق إذا ما كان من الممكن خلق هذه الحالة إصطناعياً من أجل تهيئة الظروف لإفراز مزيد من الإبداع والمبدعين ؟.  

إن مؤسسة تُدار وتعمل بدون إدارة تتولى  القيادة، لا تمتلك الحصانة الكافية ضد الأزمات التي تتسبب في تدني الإنتاجية لإي سببٍ كان.  فدور الإدارة يظهر أكثر ما يكون في وقت الأزمات، والإدارة التي تملك مهارات قيادية أكبر قادرة على توقع الأزمات، تصبح أقدر على الخروج من الأزمة وبالتالي تعزز الإنتاجية.  وعندما نتكلم عن الأزمات لا نعني بالضرورة تلك الأزمات التي تهز المؤسسة من جذورها،  ولكن ايضاً مشاكل تذبذب الإنتاج وتراجع الإنتاجية، مهما كان صغيراً.  ففي كثير من الأحيان تجد إدارة مصنعٍ ما نفسها في مواجهة موقف يتمثل بتدني الإنتاجية.  وهنا لا بد للإدارة من التدخل لمعالجة الموقف.  لتشخيص الحالة ووضع الحلول.  وللمقدرات القيادية دورها؛ سواء في إدراك حجم المشكلة ومن ثم وضع الحل وتطبيق الحل.  وبالتالي فإن القدرة على إعادة الوضع الى ما كان عليه بسرعة،  يقلل الطاقة الإنتاجية المفقودة وبالتالي يعزز الإنتاجية الكلية للمصنع.

كما أن وضعاً مشابهاً ينشأ عندما ترغب الإدارة برفع الإنتاج في خطٍ ما،  لسببٍ من الأسباب،الذي قد يكون رفعاً مؤقتاً او دائماً،  فإنها تتدخل لمساعدة إدارة الإنتاج في الخط لإحداث التغيير.  وهنا تكمن قدرة هذه الإدارة على إجراء تغيرات سريعة.  وتظهر أهمية المهارات والقدرات القيادية في الأزمات، ففي الظروف الطبيعية تسير الأمور بشكلٍ تلقائي او هكذا تبدو الأمور.  ولو كان هناك وضعاً نموذجياً في مصنع ألبسة – او أي مصنع – لأمكن أن ينساب العمل فيه بدون معوقات، كما لا توجد مشاكل في المواد ولا في الموارد البشرية ولا في الماكينات الخ.. في وضعٍ كهذا لا داعي للإدارة سواءاً  كانت بمهاراتٍ  قيادية أم لا.  ولكن واقع الصناعة مختلفٌ عن هذه الحالة النموذجية، وبالتالي فللإدارة مكانٌ مهمٌ  ولمهاراتها القيادية دورٌ كبير في مواجهة الأزمات  والتحديات،  وأهمها في هذا السياق تحدي تعزيز الإنتاجية؛ بالعمل على منعها من التراجع والعمل على رفعها بإستمرار.

 

بعد النظر ( الرؤية ) والقدرة على التوقع vision and anticipation .

يعتبر بعد النظر من أهم ما يمكن أن يتصف به المدير القائد.  بل هي سمة أساسية لا بد وأن يتمتع بها كل قيادي .  وهي القدرة على النظر إستراتيجياً الى وضع المؤسسة  العام والظروف المحيطة بها، وما يمكن أن تؤول اليه في المستقبل القريب والبعيد.  وتسمى أيضاً الرؤية مترجمةً عن الكلمة الإنكليزية   vision ويسمى الشخص الذي يتمتع بهذه المَلَكة visionary   رؤيوي.  ومع هذا إني أفضل إستخدام تعبير بعد النظر على تعبير الرؤية، فالأول يبدو أكثر رصانة، بينما الثاني يبدو غيبياً وحالماً.  

أما القدرة على التوقع فتعني قدرة الإدارة على توقع نتائج وتطورات في المستقبل القريب، غالباً كرد فعل لحدثٍ ما، او نتيجةً لتغيير او توسع، فبينما الرؤيا سياقها إستراتيجي،  تكمن القدرة على التوقع في سياقٍ تكتيكي.

لا يخفى على أحد أن صناعة الإلبسة " صناعة مهاجرة ".  فهي ما تزال، رغم قِدمها، صناعة بدائية، بالسياق النسبي،  تعتمد على العمالة الى حدٍ بعيد.  كما أنها صناعةً لا تتوقف، وتعمل بإستمرار وبكميات هائلة جداً.  وبالتالي فالمنافسة عالية وتتطلب كلفاً أقل باستمرار. فتنتقل من بلدٍ الى بلدٍ بحثاً عن الكُلف الأقل.  ولكن سرعان ما تحدث تحولات إقتصادية/إجتماعية في البلد الجديد  تتسبب، مع أسبابٍ أخرى،  برفع الأجور، وبالتالي إزالة بعض او كل الأسباب التي دعت الى مجيئ هذه الصناعة الى البلد في المقام الأول.  وهنا قد تحدث هجرة جديدة.. الى خارج البلاد، أي فقدانها.  إلا إذا ما تمكن القائمون على هذه الصناعة من خلق أسباب جذب أخرى جديدة،  تبقيها في وضعٍ منافسٍ وتمكنها من البقاء لفترات أخرى.

وإذا كانت هذه المهارة – الرؤية او بعد النظر– مهمة لكل صناعة ولكل إدارة،  فإنها تزداد أهمية في صناعة الألبسة، حيث تحدي المنافسة العالمية والذي يهدد بقاء الصناعة نفسه.  ولذلك يجب ممارسة الكثير من البحث والتفكير في الجوانب المتعلقة بالمنافسة،  وتحسين أوجه الجذب للزبائن والطلبيات.  وهذا أمرٌ يحتاج الى بعد نظر كبير. 

وهناك مهارةٌ أخرى ترتبط بالسياق نفسه، لها أهمية كبيرة،  وهي حاسة حُسْن التوقيت sense of timing .  فهي ضرورية لتوقيت أي تحرك، او توسعة او تقليص او إجراء من أي نوع.  وكثيراً ما تخفق بعض  التحركات نتيجةً لتوقيتها الخاطئ، إما المبكر او المتأخر.  وكثيراً تنجح خطة في وقتٍ ما،  بينما لم تحقق النجاح نفسه في وقتٍ آخر، لأنه كان توقيتاً خاطئاً.  

من المعروف أن المدير الناجح لا يتفاجئ.  وحقيقةً أن ذلك ينبع من بعد النظر ومن تمتعه بالرؤية visionary .

انا شخصياً أكثر ما يُعجبني في القادة هو إمتلاكهم لهذه المَلكة و.. قدرتهم على الإستفادة منها.  ففي تاريخنا كان عمر بن الخطاب يملك بعداً للنظر،  جعله يرفض فكرة حفر قناة تربط البحر الأبيض المتوسط مع البحر الأحمر، لإعتقاده أن ذلك سيمكن "سفن الروم" من مهاجمة سواحل الحجاز !!.

والقدرة على التوقع مهارة لا تقل أهمية، وهي تعتمد على القدرة على الربط بين المسببات والنتائج، من خلال قراءة الماضي القريب بنتائجه وظروفه وتحليلها.  مثلاً توقع إزدياد نسبة الغياب في الفترة الفلانية لأن الإحصائيات تشير الى إمكانية ذلك.  ولتفصيل أكثر تشير الإحصائيات عادةً الى زيادة الغياب في نهاية الأسبوع،  وكذلك في اليوم التالي لدفع الرواتب،  وكذلك في أشهر الصيف.   فكثيراً ما تتجمع هذه الأسباب وينجم عنها إرتفاع يفوق المعتاد.  وبالتالي هذا أمرٌ يجب أن يُفهم وأن لا يكون مفاجئاً للإدارة،  وبالتالي يؤخذ بالحسبان عند توقع النتائج.

و الأمر ينطبق على أمثلةٍ كثيرةٍ مثل معدل نمو الإنتاج في خطٍ  جديد او المنحنى التعليمي.

ومن الأمثلة التقليدية؛ توقع تراجع الجودة نتيجةً للإزدياد المفاجئ في الإنتاج، إن توقعاً كهذا يمكن أن يمنع النتيجة السيئة المتوقعة –تراجع الجودة-  بإتخاذ الإحتياطات المناسبة.       

إن إعطاء هذا النهج الأهمية التي تستحق بحيث تنتشر ثقافة تحترم وتنظر بعين الجدية الى الافكار التي تُطرح في الإجتماعات وغيرها والمبنية على معطيات سابقة وحسابات علمية، يُستنتج منها توقعات للمستقبل القريب، يُجنب المؤسسة إحتمال تكرار تجارب مؤلمة ويمنع تراجع النتائج.

 

المهارات الفنية

من المتعارف عليه أن الإدارة العليا لا يُتوقع منها أن تمتلك ذلك القدر من المهارات الفنية،  مثل ما يُتوقع من الإدارات الوسطى  وغيرها.  او كما يُتوقع منها إتقان مهارات أخرى،  مثل المهارات القيادية او الفكرية على سبيل المثال.  إلا أن المهارات الفنية تبقى لها أهميتها الكبيرة.  وبالتالي فعلى الإداريين –وخصوصاً أولئك القادمين من صناعة أخرى-  أن لا "يخجلوا" من أن يتعلموا عندما تسنح  لهم الفرصة (والفرص كثيرة) أو يتجهوا الى وسائل أكثر نظامية لإكتساب هذه المهارات، بالتدرب في مصنع آخر مثلاً او الإشتراك بدورة الخ..  إن العائق الأكبر امام بعض الإداريين من ان ينحوا هذا النحو هو الخجل والمكابرة.  ففي معظم الحالات تأتي الفرصة للتعلم وتطوير هذه المهارات الفنية على يدي أحد اعضاء الإدارة الوسطى اوالطاقم الإشرافي او حتى القوة العاملة، وهذا يجعل بعض الإداريين يخجلون من تقبل هذا الوضع.  خوفاً من أن تهتز صورتهم أمام مرؤوسيهم.  وهذا وهم.  فقد تزيد الرغبة بالتعلم  من إحترامهم، كما يضعهم سرعة التعلم في موضع الإعجاب من أفراد فريقهم.  وبكل تأكيد يجعلهم تدريجياً أقرب الى هذا الفريق الذي يرأسون وأقدر على حل مشاكل الإنتاج  الفنية وغيرها.  وعلى الرغم من أنه كثيراً ما ينجح بعض المدراء القادمين من مهنٍ أخرى غير صناعة الألبسة وخصوصاً في المؤسسات الكبيرة، إلا أنه هناك فارقٌ كبير بين  الأسلوبين في الإدارة.  ففي حالة وجود إدارة عليا لا تعرف الكثير عن الصناعة تسود حالة في المؤسسة وكأن هناك إدارتين. وفي الحالة الثانية تبدو الإدارة اكثر تجانساً.  وهذا أفضل للمؤسسة.  وهنا لا نحصر النقاش بالمدير العام، وإنما يإداريين آخرين مثل مدير المبيعات ومدير المشتريات ومدير الموارد البشرية ونواب المدير العام   وغيرهم. 

 

 

المعنويات

لا يمكن  للإدارة العليا،  والتي تتولى قيادة المؤسسة أن تقود هذه المؤسسة بإقتدار دون أن  تتمتع نفسها بمعنوياتٍ عالية.   ويقصد بالمعنويات الحالة النفسية والذهنية التي تعبر عن قناعة الشخص بإمكانية الوصول الى الهدف المطلوب  بالإمكانيات المتوفرة وبالوقت المحدد.  وتوفر المعنويات العالية  يعتمد على عوامل ذاتية وأخرى موضوعية.  والعوامل الذاتية لدى الإداري ترتبط بطبيعته ومقدار خبراته وتجاربه.  بينما تتعلق العوامل الموضوعية بالهدف المراد تحقيقه،  ومدى إمكانية ذلك، آخذين بعين الإعتبار الموارد المتاحة والظروف المحيطة.

وعادةً ما تظهر الحالة المعنوية على تعابير ونبرات وتصرفات وقرارات الإداريين، وحتى على حركاتهم الجسدية، او  ما يعرف بلغة الجسد.  وتختلف قدرة الناس على إخفاء أحاسيسهم، وبالتالي الظهور بحالةٍ معنويةٍ أفضل مما هو عليه فعلياً.  والمدير القائد ليس مطلوبٌ منه التظاهر بالمعنويات العالية فحسب،  وإنما يمتلك صفات مثل الثقة بالنفس والتفائل والقدرة على إبتكار حلول خلاقة تمكنه من أن يكون متفائلاً والأهم من ذلك يستطيع نشر التفائل من حوله.

والحقيقة أنه لا يمكن لقائد أن ينتصر في معركة إذا ما بدأها مهزوماً في داخله.  فلا يمكن لإدارة أن تواجه تحدياً ما في الإنتاج او التسويق او في تنمية الموارد البشرية، على سبيل المثال، ما لم تتمتع بحدٍ معقولٍ من القناعة بإمكانية مواجهة التحدي وتحقيق الهدف.

وهذا النوع من التحديات يتكرر بإستمرار في صناعة الألبسة.  فهناك دائماً طلبية مستعجلة وهناك دائماً موديل جديد.  ومن إجل مواجهة هذا التحدي يجب أن يكون هناك من يعتقد بإمكانية النجاح،  وإمكانية تجاوز الأزمة، ومَن أفضل من المدير ليلعب هذا الدور،  ويتبوأ موقع القائد الذي يمنح فريقه الثقة بالنفس التي يحتاجون.

 

القدرة على الإبداع     

من أهم ما يُتوقع من إدارة أي مؤسسة هو وضع حلول للمشاكل المهنية والإدارية التي يواجهها العاملون في المؤسسة في نشاطهم اليومي.  وفي عالم اليوم المتغير والشديد المنافسة لا يُؤمل أن تكون هذه الحلول تقليدية دائماً، بل يُطلب أن تتسم بالإبداع والتجدد في إستنباط حلول خلاقة وغير نمطية عندما لا تُجدي الحلول التقليدية.  وهذا يصبح ممكناً إذا ما كانت الإدارة تقدر الإبداع وتشجعه وتتمتع بملكة الإبتكار والقدرة على الإستفادة منه.

لم يعد يُنظر الى القدرة على الإبداع على أنها "موهبة" تُخلق مع الشخص ولا تنمى. بل إنها مهارة يمكن التدرب عليها وتنميتها وشحذها من خلال أدوات وأساليب منظمة كُتب عنها عشرات الكتب وألقيت مئات المحاضرات.  وكذلك تُنمى من خلال التجارب والقراءة والإطلاع على تجارب الآخرين.

إن مفهوم الإبداع يعاني من مفاهيم مغلوطة في ثقافتنا العربية منذ القدم.  فبنظر الكثيرين لا يعتبر الإبداع  مهماً ما لم يكن إختراعاً. بمعنى إبتكار شيئ جديد تماماً ومهم جداً. فإختراع التلفزيون او السيارة او الآلة البخارية شيئاً مهماً.  وطبعاً هذه جميعاً وكذلك الحاسوب والصاروخ وربما قبلهما الكتابة والدولاب لم تظهر الى الوجود نتيجة لمجهود (إبداع) شخص محدد، وإنما سلسلة من التراكمات الإبداعية عبر فترة من الزمن تتوحت بظهور " الشيئ " الجديد الى الوجود.  إن مقدرتنا على إدراك الإضافة الإبداعية الصغيرة ضعيفة جداً، كما أن تقدير هذه الإضافة الإبداعية عند إدراكها باهت وخجول.  ناهيك عن محاربة الإبداع  والتأكيد على أن ما جاء به فلان ليس إبداعاً، وإنما هي أفكارٌ قديمةٌ مكررة . 

كما أن هناك سوء تقدير للإبداع في ثقافتنا، فقديماً كان مبدعو العرب ينسبوا إبداعاتهم الى حضاراتٍ أخرى على أنها مترجمة.  ولهذا لا بد من إعادة النظر في خطابنا الثقافي وإزالة المفاهيم الخاطئة وتشجيع المواقف الإيجابية من الإبداع والتفكير الخلاق وعدم السماح بمقابلة ذلك بالإستهزاء او الإستصغار.  والحقيقة أن هذه قضية في غاية الأهمية، قد يكون تقدمنا محكوم بها، تحتاج الى البدء من المدرسة والبيت لتعليم النشئ الجديد التفكير الخلاق وتقدير والإبداع وتمييزه  وتوظيفه.

وفي مؤسساتنا الصناعية ينبغي تشجيع التفكير الإبداعي بشكل فردي وجماعي.  وتقدير الأفكار الجديدة وتكريم مُبدعيها مادياً ومعنوياً.  وكذلك التدرب والتمرس على اساليب التفكير الإبداعي بشتى الطرق بما في ذلك الإستعانة بخبراء.   وكما تراكمت إبداعات بشكل تسلسلي (على التوالي)  في الماضي لتؤدي الى "إختراع" شئ جديد تماماً، يمكن أن يؤدي  مجهود إبداعي جماعي (على التوازي) فيما يُعرف بالعصف الدماغي  الى إبتكارات وإختراعات هامة.  وهو نهج يتوجب تشجيعه والإعتياد عليه.   

وفيما يتعلق الأمر بتحسين الإنتاجية  فإن المجال لإبتكار أساليب جديدة مفتوحٌ على مصراعيه.  وحقيقةًً ان للإبتكار ضرورةً إضافيةً في هذا المجال، لأن الأساليب المستخدمة كثيراً ما تفقد بريقها وفعاليتها.  وعلى الرغم من أن مهمة رفع الإنتاج مناطة بالمشرفين والإدارة الوسطى إلا أن للإدارة العليا دورها.

 

القدرة على التعامل مع الأزمات:

يتوجب على المدير أن يملك القدرة والمهارة والصبر للتعامل مع الأزمات.  والحقيقة أن معدن المدير يظهر في الأوقات الصعبة.  والأزمات تظهر بأنواعٍ وأحجامٍ متعددة.  وقد تأتي فجأة،  وقد يكون لها مقدمات.  والمدير الأنجح هو الذي يتفاجئ أقل.  وبالتالي فالمدير الناجح مستعدٌ دائماً لمواجهة الأزمات المحتملة.  وهذا لا يتم ببقاءه متمترساً بكامل عُدته منتظراً حدوث أزمة.  ولكنه جاهزاً بتاريخه وأداءه وخبراته وعلاقاته وأساليب العمل التي أدخلها وعلاقاته التي نماها. 

وفي صناعة الألبسة، تأخذ الأزمات طابعاً متكرراً، وخصوصاً تلك المتصلة بالإنتاج.  وبالتالي قد يكون دراسة وتحليل أزمةٍ منتهية هو الخطوة الأولى في حل أزمةٍ قادمة.  وهذا يعطي الإدارة قدرةً إضافية على التوقع، وبالتالي منع حدوث الأزمة.  وهنا يتوجب القول أن الحلالأمثلللأزمةهومنعهامنالحدوث. 

و عموماًيسهلحل الأزمات في المؤسسات التي تسودها الشفافية والمتمثلة في دقة وسرعة تمرير المعلومات على شكل تقاريرٍمكتوبةٍ او إلكترونيةٍ او شفهية، ويعمل فيها الجميع كفريقٍ متعاونٍ متعاضد. 

كما يجب أن يتحلى المدير بالقدرة على التعامل مع النزاعات لغاية حلها.  وهذه النزاعات قد تكون داخلية، بين رؤساء الأقسام، وقد تكون مع طرفٍ خارجي.  بعض المدراء لا يحتملون هذه المواقف، و" يهربون " منها بتكليف أحد مساعديهم للقيام بفض النزاع.  وفي معظم الأحيان يشكل هذا نقيصةً كبيرة.  قد تدعو المؤسسية، أحياناً، أن يتولى هذه المهمة شخصٌ آخر، ولكن أن يعتاد المدير على ذلك لأن "أعصابه لا تحتمل" فهذا ينتقص من رصيده كقائد للمؤسسة.

يفتقد بعض المدراء القدرة على مواجهة المواقف الصعبة.  مثل إبلاغ  زميل بعدم حصوله على الترقية التي يتوقعها، وتركه يعرف ذلك من خلال قنوات أخرى تجعل إحساسه بالمرارة يزداد.  وهذا يحصل كثيراً.  وهو أيضاً يشكل ضعفاً شديداً لدرجة أن البعض يعتبره جبناً من جانب المدير.   

 

السيطرة

يجب ان لا تؤخذ السيطرة بمفهومها القمعي المعتاد.  إنما بالحالة التي تكون فيها إدارة المؤسسة على إطلاع واسع على كافةالنشاطات التي تجري في المؤسسة من قبل الجماعات والأفراد والقدرة على التأثير عليها دون إبطاء، وهو ما يسمى بالإنكليزية control .

وهذه ميزة لا يخفى أثرها على أحد.  فالإدارة المسيطرة تستطيع " تصحيح المسار" في عمل المؤسسة بحيث تقلل من أخطار التراجعات في الأداء الناجمة عن أسبابٍ متعددة،  وبالتالي تقليل الخسائربالوقت وبالمال والإلتزامات والطاقة الإنتاجية المهدورة.

ولكي تُصبح الإدارة "مسيطرة" لا بد ان تتسلح ببعض الأدوات الإدارية مثل منظومة التقارير المناسبة وكذلك إمتلاك قنوات التأثير على الأداء والنتائج.

وكما هو مذكور عن التقارير في مكان آخر من هذا الكتاب،  بأنها يجب ان تكون مصممة بعناية لخدمة اغراض معينة،  قد تكون مؤقتة في بعض الأحيان.  وهنا على المدير أن يعرف ماذا يريد أن  يعرف، وبالتالي بناء التقرير المناسب لمتابعة المعلومات المراد متابعتها.  ولإكمال الصورة ربما تضمن التقرير مجموعة من المقارنات -  مع نتائج اليوم السابق او الشهر السابق مثلاً، او مع متوسط الشهر او مع الخطة– كما قد يتضمن معلومات عن بعض جوانب الأداء التي تؤثر في النتائج التي صُمم من أجل متابعتها التقرير – مثل مثلاً متابعة أعطال الماكينات في تقريرمصمم لمتابعة الإنتاج.

ولكي تكون هذه التقارير أداة متابعة فعالة يجب أن تكون دقيقة،  كما يجب التفاعل مع مضامينها دون إضاعة وقت،  والإستفادة منها،  وبناء قرارات عليها حيثما يلزم.     

وهناك ما يعرف بتقارير الإدارة management report وهي تقارير مختصرة تخدم غاية محددة غالباً ما تكون مؤقتة.  مثل متابعة المبيعات في قطاع معين يعاني من مشاكل.  وعادةً ما يستمر لغاية إستقرار الوضع في هذا الموضوع.  ولكن في هذه الأثناء تتم متابعة الوضع من خلال هذا التقرير،  بعقد إجتماع يومي يشارك فيه جميع اصحاب العلاقة، او الإكتفاء ببعض الأسئلة او كلمات التشجيع تلفونيا.ً

ومن أجل سيطرة أفضل،  يجب تشكيل ما يمكن أن نسميه " قنوات التأثير".  فإذا كانت التقارير هي وسيلة الحصول على المعلومات والنتائج،  فإن قنوات التأثير هي الأدوات التي تستخدم،  للإستفادة من المعلومات والنتائج  في تصحيح وتعديل وتحسين الوضع الذي يعطي النتائج وتُغَطيه المعلومات، مثل الإجتماعات.

ومن أهم متطلبات وشروط السيطرة الفعالة، سرعة الحصول على المعلومات من خطوط الإنتاج لرصد الإنحرافات في النتائج. والقدرة على سرعة التصرف لعلاج هذه الإنحرافات.  وهذا يتطلب وضع الحل وتطبيق الحل.  وهاتان النقطتان مرتبطتان بالزمن وتتطلبان مهارة عالية في إدارة الوقت، وهذا مثال على تداخل المهارات.   

من أهم قنوات التأثير الإجتماعات.  وهي وسيلة مواجهه ومفاتحه بالإمكان ان تخدم اغراض كثيرة إذا ما أُحسن إستخدامها.  وقد تُعقد الإجتماعات للإداريين فقط،  وقد يُدعى اليها بعض العمال.  وفي هذه الإجتماعات تُطرح المشكلة بأبعادها المختلفة، حيث تسعى الإدارة الى تجسير الفجوة الحاصلة في النتائج، سواء كانت إنتاجاً او جودةً او مبيعات.  والفجوة ناجمة عن عدم تطابق أرقام التقارير مع ارقام الخطة او الموازنة.  ومن أجل العمل على إلغاء الفجوة يتوجب معرفة أسبابها، وفي الإجتماع الذي يشارك فيه جميع أطراف الأداء،  يتيسر معرفة الأسباب وبالتالي وضع الحلول.  ومن هنا بإمكان الإدارة التأثير على الأداء العام.

كما أن هناك قنوات أخرى للتأثير،  تتمثل بتوظيف قنوات الإتصال المتاحة مثل الرسائل والمكالمات التلفونية والبريد الإلكتروني والمحادثة الشفوية.    

إن الإدارة التي تملك السيطرة على خطوط الإنتاج وتستشعر التغيرات بدون تأخير وتميلك المقدرة على إحداث تغيير يُعيد النتائج الى وضعها المقبول، إن إدارة مسيطرة من هذا النوع تستطيع المحافظة على إنتاجية عالية على الدوام.

 

المرونة

المرونة هي القدرة على التغيير والتحول بالوقت المناسب.  وهذه قضية تربوية حضارية بقدر ما هي إدارية وفنية.

وعكسها هو الجمود،  وهو ضعف ينم عن إنعدام القدرة على التعامل مع المتغيرات.  وفي عالم مليئ بهذه المتغيرات،  فإن غياب المقدرة على التعامل الإيجابي معها يشكل نقيصةً قاتلة.

وفي صناعة الألبسة تأتي المتغيرات على شكل تحول في " الموديلات " وهذا التحول قد يكون بسيطاً وقد يكون كبيراً.  وللتعامل السريع مع هذا المتغير مطلوب التمرس على مواحهة الوضع الجديد بتجاوز الصعوبات التقنية الطارئة وكذلك تجاوز الصعوبات الفنية المرتبطة به،  الأمر الذي يؤدي الى فترة تعليم  أقصر.  وكذلك بناء آلية سريعة لإعادة بناء الخطوط.  وحقيقةً إن السيطرة على وقت بناء خط الإنتاج ووقت التعليم،  قد يعني تحولاً مصيرياً لبعض المصانع الكثيرة التغيرات، فتقليل الوقت الذي تنخفض فيه كفاءة خط إنتاج الى أن تعود الى ما كانت عليه قبل التغيير، يعتبر  عملياً، خفض الوقت المهدور والطاقة الإنتاجية المفقودة وبالتالي خفض تكلفةالتغيير وهذا أمرٌ مهمٌ  جداً.

كما أن التغييرات لا تنحصر بتغير المنتجات في الصناعة، ولكن هناك ايضاً متغيرات، تحدث بصورةٍ أقل، في القوى البشرية على سبيل المثال، فقد يستقيل إداري يعمل بموقعٍ مهم،  فجأة او يترك عددٌ من العاملين في خط إنتاج العمل،  او قد يطرأ تحول في بعض القوانين او إرتفاع في أسعار الطاقة الخ..

وقد تنمو المرونة في اوساط المؤسسة بصورةٍ تلقائيةٍ من خلال مراكمة التجارب عبر السنين.  ولكن هذا يأخذ وقتاً طويلاً.  ولذلك لا بد من إيجاد وسائل للإسراع في تنمية هذه المهارة المهمة.  مثل تدريب العاملين على أعلى عددٍ ممكنٍ من الماكينات، بحيث يكون عددٌ كبيرٌ منهم قادراً على العمل على أي ماكينةٍ يُطلب منهم العمل عليها، وهذا يرفع من مستوى المرونة في الخط.  وفي واقع الأمر يصعب تطبيق هذا التوجه نتيجةً لإنشغال الخط بالإنتاج.  ولذلك فعلى إدارة الخط إغتنام أي فرصة، مثل نقص الطلبيات، والتوقفات الناجمة عنها  لتدريب العاملين على ماكينات لا يتقنون العمل عليها. 

وكذلك بناء حالة من الإستعداد النفسي للتغيير، الذي قد يكون مفاجئاً وجذرياً.  فأكبر ما يعيق المرونة هو المقاومة التلقائية للتغيير،  والتي غالباً ما تُعزى لأسبابٍ نفسية بالدرجة الأولى، ينبغي التعامل معها.  ومن الممارسات التي تساعدعلى مزيدٍ من المرونة، الإنفتاح المعلوماتي والمعايشة والمشاركة ووجود تقاليد راسخة من التمرس على ادارة الوقت.

 

المتابعة

من أهم المهام الملقاه على عاتق أي إدارة هو المتابعة.  والمتابعة تعني أمرين الأول الإطلاع على ما يجري من أداء ونتائج،  والثاني إعطاء إنطباع بهذا الإطلاع، من خلال الإستفسار عن بعض التفاصيل،  وإطلاق بعض عبارات التقدير في حالات،    وإصدار توجيهات من نوع آخر في حالات أخرى. وتهدف المتابعة إلى  ضمان حسن سير المؤسسة أدائياً.  وهذا يعني عدم خروجها عن المسار المقرر لها والمُنظم بالقوانين والتعليمات،  ومدعم بقيم وتقاليد إيجابية.

كما تهدف المتابعة الى تعزيز "هيبة " المؤسسة.  وليس بالضرورة هيبة الإدارة او هيبة المدير.  وهذه مادة دسمة للنقاش فما المقصود بالهيبة ؟ هل هو الخوف ؟ لغوياً نعم.  ولكن الهيبة ايضاً تتضمن الإحترام والتقدير وكذلك الخوف من والخوف على..

ثم ما هي المؤسسة إذا لم تكن مختزلة في شخص صاحبها او مديرها.؟  وهنا الجواب قد يحمل مضامين غير علمية.  فالمؤسسة هي الجميع، إدارةً وعمالاً وكذلك عائلاتهم ومورديها وزبائنها، بماضيها وحاضرها ومستقبلها وهي كذلك مُثلها وثقافتها وغاياتها وعلاقاتها وكل ما تمثل.  إنها ذاك الشئ الإعتباري الذي يُنتمى إليه وقد يُحب او قد يُكره.

وللمتابعة المؤسسية أدواتها.  وأهمها التقارير والإجتماعات.  وتسمى التقارير المستخدمة لغاية المتابعة " تقارير الإدارة " وهي تقارير مختصرة ومصصمة بطريقة تُظهر بعض المعلومات بالتظليل مثلاً،  كما تحتوي على كم آخر من المعلومات للمقارنة والرجوع اليها عند اللزوم.  ولكي تصبح التقارير أداة متابعة فعالة يجب أن دقيقة وواضحة وتصل الإدارة بالوقت المحدد دون تأخير.  كما يمكن نقل المعلومات إلكترونيا، سواءا  عن طريق البريد الإلكتروني او شبكة خاصة داخلية او عن طريق لوحات إلكترونية كبيرة تُعلق في قاعات الإنتاج.

تعتبر الإجتماعات وسيلة نتابعة متقدمة جداً، فهي تخدم أغراض متعددة، أهمها الحصول على المعلومات وتحليلها وبحث أوجه القصور وإيجاد مخارج للأزمات وكذلك التعلم من قصص النجاح.  ومن أجل أن تُصبح الإجتماعات أداة متابعة جيدة يجب مراعاة أُسس إدارة الإجتماعات والمشاركة فيها؛ مثل التحدث من خلال مداخلات قصيرة ووإستخدام جمل واضحة وتجنب التكرار والمقاطعة والتعليقات الغير ضرورية ومراعاة عدم الإطالة.  ويمكن للإجتماعات أن تكون جماعية، كما يمكن أن تكون ثنائية، كما يمكن أن تكون تلفونية.            

 

التدريب Coaching

إن من إهم الصفات التي يتوجب إن يتصف بها المدير، هي قدرته على أن يدرب ويعلم فريقه.  كما أن من أهم ما تحتاجه مؤسسة، هو مدير قادر على أن يكون المعلم والمدرب.  ولقب معلم الذي يأنف بعض حملة الشهادات من أن يُطلق عليهم، لم يكن، في السابق، يحوز عليه إلا من كان قائداً ومدرباً في مهنته.  والصحيح أن الدمج بين الدورين يجعل التأثير أكبر.  فالبديل هو إستئجار مدربين محترفين من خارج المؤسسة.  وهذا وارد ومفيد، وللحصول على أفضل نتائج يفضل أن ينظم الجهد التدريبي هذا تحت إشراف الإدارة المباشر و بالتوازي مع مجهود مستمر ودائم بقدرات داخلية، من أجل خلق ثقافة متجانسة.

لا يقتصر التدريب على الموظفين الجدد، وإنما يتكرر في إطار عملية مستمرة على شكل دورات  وورش عمل ومحاضرات وإجتماعات

 

التطوير

التطور هو الإرتقاء الى حالةٍ أفضل، فمن لا يريده.  ولذلك مطلوب لكل مؤسسة إدارة عليا تؤمن بأهمية التطوير وقادرة على إحداثه. 

فالتطوير كثيراً ما يكون ضمانة للبقاء والتقدم. 

ولذلك كثيراً ما تتبنى بعض المؤسسات برنامج منظم لهذه الغاية يسمى " برنامج التحسين المستمر " وهو ثقافةٌ ونهج،  بقدر ما هو نظام.  وهذه الثقافة مبنية على قناعة بأن هناك دائماً مجالاً للتحسين.  وأن كافة جوانب النشاط المهني والإنساني في المؤسسة قابلة للمراجعة بحيث يتم الإرتقاء بها الى درجةٍ اعلى.  وذلك وفق أُسسٍ مدروسةٍ بعيدةٍ كل البعد عن العشوائية والشكلية.  إن كثرة التغييرات، حتى لو كانت مدروسة، تسبب إرتباكاً بين العاملين، البعض لا يستطيع فهم الغاية منها وبالتالي يقف موقفاً سلبياً منها.  كما أن كثرتها تعني أيضاً أن التغيير ينهي وضعاً لم يجرب تماماً، ولم يُعطى الفرصة الكافية.  ولهذا يجب ان لا يغير شئ (حتى للأفضل) بعد فترةٍ قصيرة من تغيير سابق. 

إن العمل الدؤوب المنظم لرفع الكفاءة  وتحسين وسائل مناولة المواد وحركتها وكذلك لتطوير طرق تحسين الدافعية ضمن جوانب كثيرة للنشاط المهني للمؤسسة تؤدي قطعاً الى إنتاجية اعلى.

كثيرٌ من الإداريين الذين يقفون موقفاً سلبياً من التطوير يفعلون ذلك لفشلهم بأن يستثمروا في الغد على حساب اليوم.  فالتحسين في النظم ورفع مهارات الطاقم الإشرافي وتوعية العمال يتطلب شيئاً من التضحية بالوقت والجهد، الأمر الذي قد يتسبب في تراجع نتائج اليوم،  ولكن يعد بتحسن في الأيام القادمة.  هناك بعض الإداريين يتحفظوا على هذه التضحية، وبالتالي يبدوا انهم ضد التغيير وضد التطور، والصحيح لا يوجد من هو ضد التطور بشكلٍ صريح ومعلن، وقلما عادى أحدٌ التطوير عن وعي، ولكن هناك من لا يؤمنون بمؤسسية التغيير ولا يريدون دفع ثمناً لهذا االتغيير و التطور مهما كان زهيداً.

 

الرغبة والقدرة

وفي نهاية هذا الفصل الذي إستعرضنا فيه جوانب مختلفة لما يتوجب على الإدارة العليا عمله،  والمهارات التي يتوجب إمتلاكها، نود أن نضيف شرطين بسيطين واساسين وهما الرغبة والقدرة.  وهما شرطان كثيراً ما يتلازمان. 

فإذا لم تتوفر الرغبة لدى الإداري لتحقيق هدفاً ما، لا يمكن الإقتراب من هذا الهدف.  وهذا الشرط كثيراً ما لا يًعطى الأهمية التي يستحق.  ففي بعض المؤسسات يعود ضعف الأداء في بعض جوانب الأداء او في بعض المشاريع الى غياب او ضعف رغبة الإدارة او أحد أركانها.  وبعد الرغبة تأتي القدرة،  والتي تناولنا جوانب عديدة منها متمثلة في مهارات ومقدرات مختلفة.

و هذان الشرطان مهمان جداً في العمل المصرفي مثلاً، فكثيراً ما يوصف أحد العملاء بأنه يملك الرغبة والقدرة willing and able ، ليزكى على انه سينفذ إعتماداً معيناً.

إن إنعدام توفر الرغبة  لدى بعض المدراء تقف حائلاً أمام نجاح مشروعٍٍ ما .  وغياب الرغبة ينجم إما عن غياب الدافعية لدى المدير او لعدم إقتناعه بفكرة المشروع وجدواه  او ربما لعدم رضاه عن وضعه الوظيفي، كإن يعتقد أنه يستحق مكاناً أعلى.  ولهذا يتوجب، عند إختيار شخصاً الإدارة  مصنع او حتى تولي مهمة مؤقتة، أن لا يتصف بهذه الصفات، حتى لا تكون رغبته بالإنجاز ضعيفة.

 

التركيز focus

يعني التركيز القدرة على وضع موضوعٍ معينٍ او مشكلةٍ معينةٍ او هدفٍ معينٍ في بقعة الضوء،  والعمل عليها بكثافةٍ،  من ناحية مقدار الوقت المخصص او حجم الجهد المبذول او عدد العاملين المنخرطين لتحقيق الهدف او لحل المشكلة او التعاطي مع الموضوع.    وهذه القدرة تنبع من أمرين؛ الأول إستحواذ الإداري على المقدرة، التي تمكنه من التركيز دون تداخل او تشويش.  والثاني ينبع من تركيبة المؤسسة الإدارية والتنظيمية، التي تسهل او لا تُسهل إمكانية التركيز.   

 

التركيز كمهارة فردية

إن القدرة على التعاطي مع موضوعٍ واحدٍ دون السماح للمواضيع لأُاخرى بالتشويش عليه، تعتبر هبة يتمتع بها البعض.  كما يستطيع الكثيرون أن يعملوا على تنميتها.  إن هذه المهارة (إن صح التعبير – فهي هبة، أي موهبة كما هي أسلوب عمل) ضروريةٌ لإتخاذ القرارات ولحل الأزمات عموما.ً

أن القدرة على التركيز ممارسة أكثر مما هي حالة ذهنية state of mind ، فهي تقوى بالتدريب وببذل جهد ذهني خاص أثناء الإستماع للآخرين او أثناء متابعة نشاط معين.

يقال أن نابوليون كان يقول عن نفسه أنه يشبه عقله بمجموعة "أدراج" فيفتح أحدها ليفكر او يتعاطى مع موضوعٍ واحد، لا غير، فالأدراج الأخرى مغلقة.  ثم يغلق هذا الدرج للإنتقال الى درجٍ آخر، فيفكر بموضوعٍ آخر دون تشويش المواضيع الأخرى عليه، وهكذا.. ويضيف أنه كان يستطيع أن يغلق الأدراج جميعاً فينام.. وكان معروفاً عنه القدرة على النوم على ظهر الحصان أثناء المعركة لبضع دقائق.

وهذا يقودنا الى الدعوة الى التمرس على مهارةٍ أخرى في نفس السياق،  وهي "عدم التركيز الكلي" أي الخروج الكلي من جو العمل والعودة الى العائلة مثلاً والأصدقاء لبضع ساعات، الأمر الذي يخفف حالة التوتر التي تعتري كثيراً من الإداريين، ويعيدهم بحالةٍ أفضل في اليوم التالي.           

إن القدرة على التعاطي مع موضوعٍ واحدٍ بذات الوقت، بتحييد المواضيع الأخرى او إستبعادها ذهنياً، يزيد من كفاءة الأداء ويوصل الى حلول ذات نوعية أفضل.  وعادةً ما تقف مشكلة محددة حائلاً دون التركيز، فهي تفرض نفسها بقوةٍ وإلحاح.

وبعكس ذلك فإن المدراء المثقلين ذهنياً،  والذين لا يملكون قدرة ضعيفة على التركيز أصلاً، يقودون مؤسساتهم بإتجاهاتٍ خاطئةٍ بإتخاذ قرارات غير سليمة (نية – أي غير مطبوخة جيداً) تحت تأثير قناعات مغلوطة نتيجةً لعدم إعطاءها الجهد الذهني الكافي. 

يجب أن لا تعني الرغبة في التركيز إهمال الأمور الأخرى وعلى حسابها.  فعند التعاطي مع أحد المواضيع،  يجب أن يكون هناك ما يُطمئن بأن هناك من يهتم بالمواضيع الأخرى او ان هناك ترتيب معين او جدول زمني.

 

التركيز الناجم عن تركيبة المؤسسة التنظيمية:

عند بناء مؤسسة جديدة،  يجب أن يُؤخذ هذا العامل بعين الإعتبار.  وذلك من خلال بناء هيكل تنظيمي ووضع وصف وظيفي يمكن الإداريين من التركيز على عددٍ محدودٍ من النشاطات المتقاربة.

وهذا يجب أن لا يفهم على أنه دعوة لزيادة عدد الإداريين، بحيث يصبح الواحد منهم مسئول عن جزيئيةٍ صغيرةٍ من مجمل النشاط العام.  فهذا وضعٌ أسوأ، وله سلبياته الكثيرة.  وطبعاً لكل مؤسسةٍ خصوصياتها، فما يصح بإحداها، لا يشترط أن يصح بغيرها.

 

تحسين القدرة على التركيز: 

هناك وسائل عديدة لتحسين القدرة على التركيز، من أهمها العمل على تخفيف الأعباء الذهنية، وذلك من خلال إنجاز ما يمكن إنجازه بسرعة من أعمال،  للتخفيف من قائمة الأعمال التي تؤثر سلباً على التركيز.  او بتكليف مهمة إنجاز بعضها الى من ينجزها من أعضاء الفريق.

كما ان هناك العديد من وسائل التدريب على أيدي مختصين تحسن من هذه القدرة، كما أن هناك العديد من الكتب التي قد تساعد البعض على تحسين قدراتهم في هذا المجال.

إن رفع القدرة على التركيز إحتلت مكاناً مهماً في بعض الثقافات والمعتقدات وخصوصاً الآسيوية منها، حيث يطمح البعض ويدعي البعض الآخر القدرة على تحريك جسماً عن بعد، او المشي على سطح الماء،  وأمور خارقة من هذا القبيل.  وطبعاً ليس من ضمن أهدافنا في هذه الدراسة،  تحسين قدرة مدراءنا على التركيز لدرجة تحريك جسم من مسافة بمجرد التركيز، وإنما تحسين قدراتهم على إتخاذ قرارات  أسلم وإنجاز أعمالهم بصورةٍ أفضل وأسرع.

ومن أهم ما يضعف التركيز،  كثرة المواضيع المطلوب التعاطي معها مع كثرة الأولويات.  كما يزداد الوضع تعقيداً نتيجةً للإرهاق الذهني، والذي ينجم عادةً عن تراكم التوترات لفتراتٍ طويلة،  وللضغط النفسي الناجم عن الإخفاقات المتكررة.  وكثيراً ما ينجم عن هذه الوضعية قرارات خاطئة مع إشاعة التوتر الذي ينتقل تدريجياً من مستوى إداري الى مستوى إداري آخر يأتي بعده بالترتيب الإداري حتى يصل الى خطوط الإنتاج مما ينجم عنه حالة من الإحباط وتراجع  واضح في الإنتاجية وتدني الجودة.

 

                                   *                *                *

 

يقول البعض أنه لا يوجد جندي سيئ، وإنما هناك قائدٌ سيئ.  وهذا صحيحٌ  إلى حدٍ بعيد.  ففي التاريخ يزداد دور القائد كفرد في الأزمات والأجواء التي تهيمن فيها الصراعات، والمعارك والحروب أمثلةٌ حيةٌ على ذلك.  فالقائد هو المنظم والمعلم والمحفز،  والذي يقدم الحلول ويُعطي الإجابات حين تُطرح الأسئلة.  لقد أنتجت البشرية قُواد،  كان الناس يموتون من أجلهم.  فحاجة المجتمعات البشرية الى قيادة،  حقيقة قديمة ومثبتة.  والصحيح أنه قلما أنجز أي مجتمع نصراً او تقدماً او بناءً او تنميةً بدون قيادة.  وفي حال سيطرة  قوى ثورية، من خلال حركة جماهيرية عفوية، فإن هذا المجتمع  سيفرز قيادته ويكمل مسيرته نحو تحقيق هدفه، والمقصود بالقوى الثورية هنا هو الأفكار الجديدة التي يتقبلها الناس ويؤمنوا بها كمخرج من واقعٍ  سيئ،  وكأنهم كانوا ينتظرونها، أكثر مما هو أحزاب ومنظمات.  ومن الأمثلة على ذلك الثورة الفرنسية التي صنعت قادتها ولم يصنعها القادة.

وهذا يمكن أن ينطبق على المؤسسات الصناعية والتجارية.  فوجود أفكار جديدة للتغيير لا بد أن تجد من يلتف حولها ولا بد أن تساعد على خلق مناخاً جديداً يفرز قيادات جديدة ويفجر طاقات كانت خامدة.  وطبعاً مع الفارق فإن القاعدة لا يمكن أن تقود التغيير، ولا يمكن أن تُحدث إنقلاباً، ولكن يمكن أن تساند مديراً جديداً يحمل رسالة التغيير.

 

هل نستطيع تخيل إدارة لا تملك، ولو القليل، من السمات والمهارات المدرجة أعلاه؟.  هل يمكن أن نتخيل إداري ناجح غير قادر على المتابعة ؟.  او لا يستطيع التركيز؟.  او لا يملك رؤيا او غير مبدع ؟الخ..

طبعاً يوجد بين إداريينا (والإداريين في كل العالم) من يعاني ضعفاً نسبياً في بعض هذه الصفات والمهارات، ودائماً تُدفع فاتورة هذا الضعف من قبل المؤسسة، ومن قبل المساهمين او الشركاء او المالكين.  ويختلف حجم الفاتورة بمقدار هذا الضعف، وطبيعة وأهمية المهارة التي يعاني المدير فيها ضعفاً.         

وتزداد الحالة تعقيداً بالمكابرة والإنكار.  فإذا لم تسعى الإدارة العليا لتنمية مهاراتها المختلفة لملء الفراغات وتغطية العجز حيثما وُجد، فمن يفعل؟.

فالعمال يُشرف على تدريبهم وتنمية مقدراتهم وتطويرهم الإدارة الوسطى، وهذه توجهها وتعلمها الإدارة العليا.  فمن يفعل الشئ نفسه للإدارة العليا؟.

الجواب يكمن في جهتين؛ الأولى مجالس الإدارة، التي لها عادةً سلطات رقابية قوية.  فلو تخلت عن دورها الشكلي، وأبعدت عن المجاملات، وكانت تحوي بين أعضائها خبرات جيدة، يمكن أن تكون أداة تصحيح مثلما هي أداة رقابة.

والحل الثاني في مقترح إطلاق حملة وطنية لرفع سوية الإدارة في البلاد، بالتعاون بين الجامعات وغرف الصناعة والجمعيات والجهات الحكومية ذات العلاقة.  إن الجهد المبذول يركز على الإدارة الوسطى وعلى العمال.  فلو إستطعنا تنمية القدرة على التدريب لدى إداريينا ليصبحوا حقاً قادة و"معلمين" لأكملوا مسيرة مؤسساتهم المهنية، وأعطوها شكلاً أقل ما يوصف به أنه متجانس.

إستعرضنا في الصفحات السابقة المهارات والمقدرات الواجب توفرها في أعضاء الإدارة العليا.  ولا يعني إنتقاص أيٍٍ من هذه المهارات عدم صلاحية هذا المدير. فالأمر نسبي ويختلف من مهارةٍ الى أُخرى ويعتمد على مدى الضعف في هذه المهارة.  إن الضعف الشديد في بعض المهارات لدى بعض المدراء، يترك ظلاله على أداء المؤسسة العام، كما يمكن أن يحول المدير الى عبءٍ على الإدارة والمؤسسة بشكلٍ عام.

               

المدير العبء

في بعض الأحوال يتحول المدير الى عبء على مؤسسته، بحيث يصبح معيقاً لحركتها ويقف في طريق تحديثها ويقاوم التغيير ويسعى، عن وعي او عن غير وعي، الى إبقاء المؤسسة على مقاسه .  وفيما يلي أمثلة على هذا النوع من المدراء:

·        مدير كثير التغيب ولا يمنح صلاحيات لمساعديه.

·        مدير كثير التغيب ويترك الأمور بأيدي أشخاص غير مؤهلين.

·        مدير لا يتراجع عن الخطأ.

·        مدير مزاجي.

·        مدير غير متماسك inconsistant .

·        مدير يخاف من إتخاذ القرارات.

·        مدير لا يحبذ العمل الجماعي.

·        مدير يؤمن بفرق تسد.

·        مدير لا يحترم آراء الآخرين.

 

يتحول هذا المدير الى عنق زجاجة بحد ذاته، يتراكم على بابه ملفات بحاجة الى بت، وقرارات بحاجة الى حسم، ويحول المؤسسة الى وحشٍ بيروقراطي بطيئ الحركة.  بينما المفروض أن يكون مصدراً  للحيوية والنشاط.

 

 


 
 

 


تعليقات

لا يوجد تعليقات

الإسم 
البريد الإليكتروني (ليس للنشر)
التعليق
هل توافق على الانضمام لمجموعتنا البريدية؟
  أرسل

 

Counter