الفصل الخامس - كتاب إدارة بلا تعليمات - تحول الجماعات
 
 


الفصل الخامس

تحول الجماعات

 

بإمكان الجماعات التحول مثل الأفراد.  ولكن تحول الجماعات يحتاج إلى آليات مختلفة وجهود أكبر.  كما أن مقدار التحول يختلف، وكذلك درجة ثبات التحول.  فتحول الأفراد غالباً ما ينجم عن قناعات جديدة جاءت  نتيجة لظهور ما يثبت صحتها وما يثبت بطلان قناعات أخرى كانت سائدة قبلها.  ويحدث هذا في العادة نتيجةً لتعرض الفرد شخصياً بصورةٍ غير مباشرة وبصورةٍ مباشرةٍ تحت وقع تأثيرات موجهة لتحدث هذا التحول.  أما تحول الجماعات ففي الغالب يحدث عبر وسائل عامة mass media ، موجهة نحو " جمهور "، مجموعة من البشر قد يراوح عددها من بضع مئات من الموظفين العاملين في مؤسسة معينة حزمت إدارتها أمرها بإتجاه التغيير، أو قد يكونوا ملايين عديدة يشكلون سكان دولة تبنت حكومتها برنامجاً توعوياً لخدمة غايةٍ سياسية أو غير ذلك.   وقد لا يعرف المتحدث أو الموجِه جميع الذين يخاطبهم، وإذا ما كان المتلقي يهز رأسه إستنكاراً أم إستحساناً.  وبالتالي فإن الجهد المبذول يأخذ طابعاً عاماً، وقد يأخذ التحول الجماعي شكل العدوى وحتى الموضة، ولذلك كثيراً ما يكون التحول أقل ثباتاً من تحول الذي يتم بشكل فردي.

 

تحول الجماعات  بعلمهم وموافقتهم وبدون ذلك

ما ينطبق على الأفراد ينطبق على الجماعات مع قليلٍ من الفرق. فالأفراد يتحولون بمساعدة خارجية، كما يتحولون بقدراتهم الذاتية ولكن بعد خضوعهم لمؤثرات خارجية قوية.  وكذلك الجماعات فإنها تتغير، بصورةٍ نسبيةٍ، بمؤثرات خارجية، مثل إدارة مؤسسة تجارية أو صناعية أو إنشائية، أو جهة حكومية ( وزارة الإعلام )، أو قيادة حزبية، أو مؤسسة دينية، أو مؤسسة دعائية.  كلٌ حسب أجندته ؛ فبينما تسعى المؤسسة الدينية إلى كسب أتباع جدد، تسعى المؤسسة الدعائية إلى تغيير أنماط الاستهلاك خدمةً لسلعةٍ جديدة وهكذا..

كما قد تتغير الجماعات ؛ الشعوب، أو العاملين في مؤسسة  أو أعضاء نادٍ أو سكان قرية إلخ.. قد تتغير هذه الجماعات بمبادرة ذاتية تحت وقع خطر يهدد البقاء أو النظام العام أو السيادة.  وهذا التهديد يخلق الاستعداد للتغيير من أجل التعامل مع هذا الخطر من أجل مقاومته ومجابهته.  وعادةً ما تفرز هذه الجماعات قيادة من بينها تتولى قيادة الجهد الساعي للحفاظ على مصالح الجماعة.  ويعتمد نجاح هذا الجهد على عوامل عديدة من بينها قدرتها على إختيار قيادة مناسبة ومقتدرة. 

ومن الأمثلة على الخطر أو التهديد بالخطر الذي يهدد الجماعات، سواء كانت شعوباً أو مجموعات من البشر يربطها رابط محدد : 

لقد نجم عن الهجرة اليهودية إلى فلسطين تحول جذري في عقلية شعبها.  الأمر الذي دفعه على الإقبال على العلم والعمل وتنمية وعي سياسي.  وقد جاءت هذه النتائج بسبب الاحتكاك بجماعات جاء معظمها من دول أوروبية يمتلك أفرادها معارف ومهارات جديدة على المنطقة برمتها.  وكان هذا الاحتكاك بحد ذاته كافياً لإحداث تغيير جذري في ثقافة هذا الشعب، ولكن البعد السياسي لهذه الهجرة والذي شكل تهديداً لوجوده كشعب زاد من تأثير هذا الإحتكاك مما نجم عن ذلك، خلال جيلٍ واحد، شخصية جديدة تماماً.

كما أن هناك مثالاً آخر نود سوقه على التحول في الشخصية الجماعية لشعب بأكمله.  وهو تحول ثقافة الشعوب الخليجية وشخصيتها بعد إكتشاف النفط وهجرة عشرات الألوف من أبناء الجنسيات العربية والأجنبية إلى الخليج للعمل هناك، وإحتكاك أبناء الخليج بثقافات مختلفة ومتنوعة، يملك أصحابها مهارات ومعارف لم تكن متوفرة محلياً.  الأمر الذي أكسبها سمات لم تكن موجودة من قبل خلال عقدين من الزمان.  وقد ساعد على ذلك تدفق الثروة الناجم عن بيع النفط المكتشف حديثاً. 

وفي عالم الصناعة أمثلة كثيرة على تغيرات جذرية حدثت نتيجةً لواقع فرضها بقوة، مثل صناعة السيارات الأمريكية تحت وقع المافسة اليابانية.  

                        

وفي المؤسسات التجارية والصناعية " يتطلب التحول في شخصية الأفراد مساعدتهم في الكشف عن ما يحبون بشغف، وكذلك محاكمة مقاييسهم ومعتقداتهم وفرضياتهم " [1] .    وهذا يتم بطرقٍ مختلفة وعديدة، وإحدى هذه الطرق هو الطلب منهم أن يتكلموا عن أنفسهم، والعمل على إيجاد ما يدعم وجهة نظرهم عن أنفسهم، الأمر الذي يحتاج إلى بحث وتنقيب أحياناً، مما يجعلهم بقليلٍ من المساعدة إدراك أنهم ليسوا القادة الذين يظنون أو أنهم ليسوا بتلك المهارة التي يعتقدون [2] .   وهذا ما يدفعهم إلى مراجعة مقاييسهم ومعتقداتهم وفرضياتهم، بل ونظرتهم إلى العالم.

 

أدوات التغيير

يعتمد جهد التغيير الجماعي على وسائل الإعلام الجماهيري التي تطورت تطوراً كبيراً في القرون الأخيرة.  فبعد أن كانت تقتصر على الخطابة والشعر، بدأت بالإعتماد على الكلمة المكتوبة بشكلٍ أوسع مع إختراع الورق منذ اثني عشر قرناً، ثم إكتشاف الطباعة منذ خمسة قرون.  وبعد إكتشاف الكهرباء واللاسلكي، بدأ إستخدام الكلمة المسموعة من خلال الإذاعات، التي إنتشرت إنتشاراً واسعاً وسريعاً، فاستخدمتها الحكومات، وجهات أخرى، إستخداماً واسعاً، وكان لذلك تأثيراً كبيراً.

وبالإمكان إجمال وسائل وأدوات التغيير الجماعي بما يلي :

 

1. الإجتماعات العامة مثل الخطابة والمحاضرات والندوات وورش العمل.

2. الكلمة المكتوبة مثل الكتب والمقالات الصحفية والروايات والشعر.

3. الكلمة المسموعة مثل الأحاديث الإذاعية والتلفزيونية.

4. المناهج الدراسية  في المدارس والمعاهد والجامعات.

5. الدراما مثل التمثيليات والمسلسلات و المسرح والأفلام.

6. المثل الجيد والقدوة الحسنة للمدير والمسئول والقائد الذي يسعى العاملون إلى الإحتداء بهم.

7. التغيير بالردع من خلال محاربة الممارسات السلبية بمعاقبة مرتكبها أو إبعاده، وعادة ما يكون هذا الخيار آخر ما تلجأ إليه إدارة التغيير. وقد إستخدمت الكثير من الأنظمة أساليب قمعية وقاسية في عمليات التغيير التي قادتها بشكل ممنهج ومؤدلج. 

 

هذا بالإضافة إلى أدوات تغيير أخرى ذات طابع خاص مثل تلك المرتبطة بأحداث كبيرة ذات طابع تاريخي، قلما يستطيع أفراد  التحكم بها أو إطلاقها، ومثل الحروب والكوارث والهجرات الجماعية والتحولات التاريخية الكبيرة.

التغيير الانقلابي في الوعي العام

هناك "لحظة" تاريخية في حياة الشعوب تصبح فيها مستعدة للتخلي عن قيمها التي كانت، لعهدٍ فريب، تعتز بها وتتمسك بها أشد تمسك.  وهذه تشكل فرصة للتحول الجماعي بشكل إنقلابي وبشكل فعال وسريع.  وهذا يحدث، عادةً في الدول التي تُمنى بهزائم كبيرةٍ بحيث تفقد الثقة بقيادتها وبأفكارها.

 

النمط الأول : هزيمة دول مثل ألمانيا وإيطاليا واليابان، وهي دول المحور التي خاضت الحرب العالمية الثانية ضد دول الحلفاء.  وما جمع بين هذه الدول الثلاث أنها دخلت نادي الإستعمار متأخرة، بعد أن تم توزيع الكعكة على الدول الإستعمارية القديمة.  وقد حاولت اللحاق بالركب في الحرب العالمية الأولى فهزمت، فنشأت قيادة طرحت فكراً مبنياً على سيادة العرق وتفوقه، حيث وجد تقبلاً من قبل شعب مجروح يعتقد أنه يستحق مكاناً أفضل في هذا العالم.  وقد إستخدمت هذه القيادة أجهزة إعلامية قوية وفعالة لجعل الغالبية العظمى من أبناء الشعب تتبنى هذا الفكر وتدعم الجهد الساعي إلى عسكرة الإقتصاد والصناعة والجماهير واجهزة الدولة، وتحضر كافة موارد الدولة للحرب، التي سرعان ما بدأت على شكل حروب محلية ثم تحولت إلى حرب عالمية.  لقد ألقت شعوب هذه الدول بكل ثقلها لكسب الحرب وكانت واثقة من ذلك.  ولكنها خسرتها بعد إنتصارات نوعية وكمية إتسعت على أثرها إمبراطورياتها أضعافاً عدة.  وقد كان وقع الهزيمة قاسياً وشكل صدمة كبيرة، جعلت هذه الشعوب تكفر بالفكر العنصري المتطرف الذي خاضت الحرب على أساسه.  وسرعان ما بدأت تتحول نحو فكرٍ اكثر تسامحاً لا يقوم على كراهية الآخرين والتفوق العرقي.  وقد حدث هذا تحت وقع الإحساس بالذنب لما تسببوه من مآسي للشعوب الأخرى، والإعتقاد بخطأ الفكر السائد كما أثبتته مجريات الحرب. 

لم تتخلى هذه الشعوب عن وطنيتها وإحترامها لذاتها، وإنما بدأت تعبر عن ذلك من خلال نشاطات أخرى، مثل إعادة بناء ما هدمته الحرب، وبناء إقتصاد جديد مبني على أسس جديدة.  وخلال سنوات قليلة أتمت هذه الشعوب تحولها وأعادت بناء مدنها وصناعاتها،  فلم يعد للفكر المتطرف وجود فعال.   

 

  النمط الثاني : التحول المرافق للثورات الجماهيرية.  مثلما حصل في فرنسا في العام 1789 فيما عُرف بالثورة الفرنسية، وما حصل في روسيا بعد 1917 فيما عرف بالثورة البلشفية، وكذلك الصين عام 1949 فيما عرف بالثورة الشيوعية وإيران 1979 فيما عرف بالثورة الإسلامية.  وفي هذه الحالة يتم التحول في توجهات وفكر ومجموعة قيم ومسلكيات وفكر الشعب لنفس الأسباب التي فجرت الثورة.  فتأتي الثورة وتغير النظام السياسي فتتمم عملية التغيير بأساليب مختلفة، قد لا تخلو من عنف.

 

النمط الثالث : هناك حالات أخرى مرتبطة بالأوضاع الاجتماعية والاقتصادية تجعل جماهير الشعب تميل بأفكارها نحو آيدولوجيات جديدة، كأن تميل إلى اليسار أو إلى اليمين.  من الأمثلة على ذلك ما تبع الثورة الصناعية من تحولات في الأنماط السلوكية للشعوب الأوروبية التي مرت بهذه التجربة. والتحول هنا نسبي، وقد يطال طبقة اجتماعية محددة أو أكثر دون غيرها.  كما أن هناك تحولات تنجم عن الأحوال الاقتصادية السيئة مثل أوقات الكساد.

 

النمط الرابع :  تتسبب الكوارث الطبيعية ذات الأبعاد الكبيرة في تحولات قيمية في كثير من الأحيان.  حيث يتغير موقف الكثيرين من الدين إبتعاداً وقرباً ؛ فالبعض يصبح أكثر تديناً، بينما يبتعد البعض الآخر عن الدين.  كما تحدث تحولات سياسية، عندما تضع جماهير الشعب اللوم على المسئولين.  وقد تسببت الفيضانات في إنفصال باكستان الشرقية عن باكستان في عام 1971.

 

إحتكاك الثقافات

تتشكل الحضارات والثقافات cultures ضمن بقعة جغرافية محددة ضمن ظروف سياسية ودينية وإقتصادية، كما تُشكل الحضارة جزءاً من الهوية الوطنية أو القومية لشعبٍ ما أو مجموعةٍ ما من البشر.   بحيث تشكل جزءاً من سماتها وتعكس طباعها وآدابها.  وتعرف الثقافة، بالنسبة إلى مؤسسة، على أنها مجمل المفاهيم العامة والعادات والافكار والتقاليد المترسخة ضمن المؤسسة مع مرور الزمن [3] .  هذا بالنسبة للمؤسسات، أما بالنسبة للمجتمعات فإن عناصر أخرى مثل اللغة والدين والإرهاصات التاريخية تدخل في تشكيل ثقافة هذا المجتع. 

كما يمكن للثقافة أن تتجزأ إلى ثقافات ثانوية sub-cultures ويخطئ كثيرون الأولى بالثانية.  مثل ثقافة إقليم في دولة، أو ثقافة أقلية في مجتمع.  

وتتلاقى الثقافات في تفاعل يتسم بطبيعة العلاقة بين أصحاب الثقافتين.  فقد يكون التفاعل ودوداً، وقد يكون عدائياً.  ولكن في جميع الحالات ينشأ تفاعل فيما بين الثقافتين. 

ويتم الاحتكاك بين ثقافتين من خلال إختلاط مجموعتين من أبناء ثقافتين، وهذا الإختلاط يمكن أن يتم بثلاث طرق تاريخياً، ولكن بعد ثورة المعلومات، فقد تغيرت الصورة تماماً  :

 

1.     الهجرة : لقد عرفت البشرية الهجرات الجماعية والفردية، التي تأخذ طابعاً تراكمياً لأعدادٍ كبيرةٍ تتجمع في مكان سكن جديد تشترك فيه مع شعبٍ آخر.  وقد كانت دوافع الهجرة مادية، غالباً بحثاً عن الماء والكلأ والرزق، بالدرجة الأولى، كما كان هناك دوافع أخرى مثل البحث عن الأمن الشخصي أو الجماعي، كالهرب من الثأر، وكذلك هناك أسباب بيئية، كالهرب من منطقة موبوءة ولا تصلح للسكن أو قد تكون الأسباب مناخية.

 

وقد نتج عن الهجرات الاحتكاك السلمي للثقافات، متمثلةً باللغة واللهجة والعادات والمعتقدات واللباس والمأكل وحتى أنماط البناء والزراعة وغير ذلك.  فأدى هذا الاحتكاك إلى تعلم الطرفين الواحد من الآخر، بحيث يملأ كل طرف الفراغات الموجودة لديه، فيتعلم ما كان ينقصه. كما تدخل البيئة في حسم بعض جوانب الثقافة مثل الملبس والمأكل وبعض العادات.  ويبقى تبادل التأثير نسبياً، فمثلاً، غالباً ما يحتفظ كل طرف بدينه، ولكن سيكون هناك تحول أشخاص من دين إلى دين، كما تتأثر المعتقدات الدينية بعض الشيء ببعضها، وقد يحصل اندماج في المعتقدات، كما حصل في الهند بإندماج ديانتي الشمال والجنوب  بعد الهجرة الآرية، فالديانة الهندوسية المعاصرة هي مزيج من ديانتي الآريين القادمين من الشمال والسكان الأصليين الدرافيديين، والذين دُفعوا نحو الجنوب.  كما يمكن أن يحدث التفاعل نفسه في خلق لغة جديدة ن مثل لغة الأوردو في الهند بتفاعل لغات عديدة مثل العربية والفارسية والسنسكريتية، أو حتى قومية جديدة مثل الأنكلو ساكسون.  بينما احتفظت كثير من القوميات بخصائصها اللغوية والدينية وبعاداتها ولباسها ومطبخها، لمئات السنين ولم تتأثر بمحيطها كثيراً.  فالتحول نسبي في مقداره فمن تحول كلي (مثل تحول سكان بلاد الشام بعد الفتوح الإسلامية- وكذلك تحول ثقافة الفاتحين العرب المستقرين في بلاد الشام وغيرها )  إلى تحول ضئيل يقتصر على إستعارات لغوية بتبني بعض المفردات واللَكْنة وبعض العادات وتغيير طفيف على اللباس.

وفي جميع الظروف يطرأ تحولات على ثقافة الإنسان وتكوينه الفكري بإحتكاكه بمجموعات أخرى من البشر يتبنون ثقافة أخرى مختلفة.

وفي العصر الحديث يوجد لدينا نماذج عديدة من الهجرة السلمية، التي لم تكن هجرة جماعية، وإنما كانت هجرة مجموعات كبيرة من الأشخاص تباعاً، وتجمعت في المكان الجديد في مجتمعات كبيرة العدد.   لقد تشكلت الولايات المتحدة وكندا واستراليا من هجرات اوروبية اولاً، ثم هجرات من جميع أنحاء العالم.  كما حصلت هجرات أوروبية إلى جميع المستعمرات، وتكونت في بعضها مجتمعات كبيرة العدد، كما نجم في بعض المستعمرات مجتمعات مختلطة، ليست بصغيرة العدد،  ناجمة عن التزاوج المختلط، مثل Angloindians و Eurosians و Creole ، الأول في الهند والثاني في الصين والثالث في الكاريبي.  وقبيل وبعد استقلال الكثير من الدول الآسيوية والإفريقية هاجر الكثير من أبنائها إلى الدولة المستعمِرة، ضمن ظروف سياسية وقانونية معينة (حصولهم على جنسية الدولة المستعمِرة)  أو لارتباطهم بالمستعمر. وهكذا شهدت معظم الدول الأوروبية ظهور جاليات إفريقية وآسيوية، سرعان ما انتشرت في جميع دول أوروبا بأعداد كبيرة .

 

2.     الإحتلال :  ينجم عن الاحتلال العسكري التقاء صدامي بين ثقافتين او اكثر، قد تكون متباينة.  ويظهر التفاعل بشكلٍ خاص إذا كان الإحتلال يتلوه إستيطاناً وتولي سلطات سياسية، أي حكم البلد المحتل.  والأمثلة على التفاعل بين ثقافتي شعبين، إحتل أحدهما أرض الآخر، كثيرة؛ فهناك الإحتلال المغولي للمشرق العربي، والفتح العربي لبلاد الشام ومصر والعراق، الإستعمار الأوروبي لإفريقيا وفي العصر الحديث إحتلال اليهود لفلسطين وإستيطانها.

 

لقد إتسمت علاقة المغول بالشعوب المقهورة بالكراهية الشديدة والخوف من طرف هذه الشعوب المحكومة، والغطرسة من طرف المحتل، ولكن بعد هزيمتهم في عين جالوت ورجوع قائدهم هولاكو إلى منغوليا، توقف زحفهم بإتجاه الغرب تماما وأسسوا دولة عاصمتها تبريز.  وبعد تولي الجيل الثاني للحكم تحولوا إلى الإسلام، وتبنوا الثقافتين العربية والفارسية.  وخلال قرن من الزمان ذابوا تماماً في محيطهم.  يشكل هذا التحول مثالاً لتبني المنتصر ثقافة المهزوم.  وقد أثرت الثقافة العربية، بشكلٍ نسبي، بالصليبيين.  الذين أسسوا مجتمعاتهم الخاصة شبه المعزولة في بلاد الشام.  ورغم عزلتهم فقد سجل التاريخ تأثرهم بمحيطهم الإسلامي، فقد كان القادمون ضمن حملات جديدة يعيرون القدامى بأنهم أصبحوا أشباه مسلمين[4].  ويمكن القول أن إطلاع الأوربيين على الحضارة العربية فتح عيونهم على الفجوة العلمية القائمة بين مجتمعات شرق المتوسط وشماله، مما دفعهم للإهتمام بترجمة الأعمال العربية إلى اللاتينية فيما عُرف ببرنامج الترجمة program of translation والذي تركز في طليطلة في إسبانيا في ذلك الزمن المصيري.

لقد كان الفتح العربي الإسلامي لبلاد الشام مثالاً آخر للتحولات الجذرية التي طرأت على الطرفين.  فخلال قرن تبنى معظم السوريين اللغة العربية كما دخل غالبيتهم في الدين الجديد. وبنفس الوقت فقد تبنى العرب القادمين من الصحراء أنماط معيشة أبناء البلاد من مأكل ومسكن ولباس وتخلصوا من جلف الصحراء وخشونتها.

وفي القرن التاسع عشر وقعت كثير من الدول الإفريقية تحت الاستعمار الأوروبي.  ومن بين هذه الدول الكثير منها كان يتكون من قبائل، يتكلم كلٌ منها لغةً خاصة وغالباً ما كانت غير مكتوبة، وبالتالي فإن الأمية في القبيلة كانت كاملة.  ومهما كانت سلبيات الإستعمار، فقد نالت هذه الدول لغة مشتركة، غريبةً عنها بلا شك، ولكنها وحدتها وخلقت وسيلة إتصال مع العالم الخارجي.  كما تبنى شرائح عريضة من أبناء هذه المجتمعات الثقافة الأوروبية حتى وُصف بعضهم بأنهم أفارقة في اللون فقط.  لقد كانت التحولات الثقافية التي خضع لها الأفارقة وغيرهم من الدول التي تعرضت للإستعمار الأوروبي كبيرة، وقد استغرقت جيلاً أو جيلين. 

يوجد لدى الإنسان قابلية عالية للتحول في ثقافته.  بل إنه لديه الاستعداد للتخلي عن أهم عناصر هذه الثقافة؛ مثل اللغة والدين والعادات واللباس والتقاليد، بالإضافة إلى فكره ومعتقداته السياسية وغيرها، بل يوجد لدى الإنسان قابلية لتغيير انتمائه العرقي والقومي.    

لقد لعبت الحروب، وما نجم  عنها من احتلالات وسيطرة شعوب على بعضها البعض، دوراً مهماً في التفاعل الإنساني، تفاعل الحضارات والثقافات، فتعلمت الشعوب من بعضها ونجم عن ذلك ثقافات جديدة، بل وتكونت، في بعض بقاع العالم،  لغات جديدة اتسمت بالعذوبة والغنى. كما تكونت أمم جديدة اتصفت بالحيوية والقدرة العالية على الإبداع. 

  

3.     الجوار: بالرجوع إلى تاريخ البشرية السياسي يلاحظ أن رسم الحدود بين الدول لم يقم على أُسسٍ موضوعية ومنصفة للناس القاطنين على طرفي الحدود.  فقد كان ميزان القوى هو الذي يقرر في الغالب أين تُرسم الحدود.  الأمر الذي كان يترك خليطاً من القوميات والطوائف والأديان على طرفي الحدود.  الأمر الذي يعني تجاور ثقافات مختلفة في نفس البقعة الجغرافية.  ومهما كانت العلاقة بين هذه المجتمعات فإنها ستتفاعل مع بعضها، وسينجم عن ذلك تحولات في ثقافة وشخصية الطرفين. 

 

لقد نجم عن ذلك الكثير من المجتمعات، وخصوصاً في آسيا، إتسمت بالتنوع diversity .  وقد إتسمت المجتمعات المتنوعة بالحيوية والقدرة العالية على التعامل مع الظروف القاسية والتأقلم السريع مع أوضاع جديدة.  وفي مدينة مثل كركوك في العراق يتعايش تركمان وعرب  وكرد وآثوريون، يتكلمون أربع لغات ويدينون بديانتين، ويتمذهبون بمذهبين إسلاميين، وعدة مذاهب مسيحية.  هذا التنوع الشديد في مدينة صغيرة يطبعها بطابع خاص وفريد.  وتجد أبناء هذه المدينة يختلفون في طباعهم عن أبناء جلدتهم الذين يقطنون مدناً وقرى غير مختلطة.  وهذا ناجم عن تأثر هذه القوميات والطوائف بعضها ببعض.     

 

التحول في الشخصية الجماعية

إن السمات الجماعية لمجموعةٍ من البشر، بما في ذلك الشعوب، يمكن أن تتحول وتتشكل،  بسبب تعرضها لمغيرات كالتي إستعرضنا آنفاً، أو نتيجةً لسياسات مرسومة من خلال التوجيه الإعلامي والتربوي الموجه.  كما تتحول  كذلك تحت وقع سيطرة أنماط إقتصادية أو قانونية أو سياسية شاذة. 

فإذا كان، في دولةٍ ما، مستوى الرواتب منخفض ولا يكفي لتغطية الحد الأدنى من إحتياجات عائلات الموظفين، فإن الفساد سيشيع، على شكل رشاوي وإختلاسات.  فيصبح، خلال سنوات قليلة،  الفساد سمة أساسية لهذا الشعب فتجد الرشوة والبقشيش والإبتزاز شائعاً في جميع مناحي الحياة ويصبح أمراً غير مرفوض من المجتمع، بل ربما يصبح مصدراً للتباهي للبعض.

كما إذا ما كانت العلاقة بين الحكومة، ممثلة بوزاراتها ودوائرها المختلفة، والشعب تتسم بعدم الثقة، كقاعدة، بحيث يفترض أن المواطن كاذب دائماً، فالنتيجة أن نسبة عالية من المواطنين ستلجأ إلى الكذب بالفعل وخاصةً في أمور مثل الإفصاح الضريبي وإعلان قيمة البضائع المستوردة لغايات ترسيمها جمركياً، فيصبح الكذب متفشياً في أوساط هذا الشعب، ويغدو أحد السمات المعروفة عنه.

وهذا ينطبق على المؤسسات أيضاً.  فنظم وتعليمات وثقافة وأساليب عمل وأنماط المعاملة السائدة تنعكس على سلوكيات العاملين في المؤسسة وعلى الشخصية العامة لمجتمعها.  والامثلة على ذلك كثيرة، ويمكن أن تلمس الفرق بسهولة بين، على سبيل المثال، مؤسسة مديرها كثير الصراخ وأُخرى مديرها ودود ويتعامل بهدوء.  فالأولى تجد موظفيها متوترين ويتعاملون بحذر ولا يجرؤون على الاجتهاد ويفتقدون إلى الشجاعة الأدبية.  بينما تجد الموظفين في الثانية يتعاملون فيما بينهم ومع الآخرين بأريحية ويظهر عليهم الاستمتاع  بعملهم.   فالشخصية الجماعية لمجموعةٍ من البشر من السهل أن تتشكل وتتأثر بمؤثرات يتعرضون لها بشكل متواصل، سواء كانت هذه المؤثرات خلقت من أجل إحداث هذا التغيير أم لا. 

وهذه المؤثرات قد لا تكون متسقة مع بعضها، فقد لا تترك النتائج نفسها لو عملت كل واحدة منها على حدة،  فينجم عن هذه المؤثرات محصلة تَحُوُّل تتسم بسمات مثل النفاق أو التظاهر أو التناقض أو عدم الثبات.

وفي مؤسساتنا الإقتصادية، بإمكان الإدارة تشكيل الشخصية الجماعية للعاملين فيها.  وذلك من خلال تبني بعض أساليب العمل وأنماط تعامل تشجع وتنمي قيم ومسلكيات معينة تهدف الإدارة لترسيخها.  ففي مؤسسة خدمية يفترض أن يكون العاملين فيها متعاونين وودودين ومبتسمين على الدوام، لا يمكن الحصول على ذلك، مهما كان التدريب ناجعاً، ما لم يكن الجو العام للمؤسسة وتقاليدها ونظمها وثقافتها تدفع بإتجاه تحقيق درجة معقولة من رضى الموظفين، بين أشياء أُخرى.  ومن هنا يتوجب على إدارات المؤسسات السعي بشكل منظم للقيام بجهد تربوي لتشكيل الشخصية العامة لمجموع العاملين في مؤسساتهم لما يخدم أهداف المؤسسة في العمل بكفاءة أعلى وجودة أفضل، ويبقى هذا التوجه إنسانياً طالما كانت أهداف المؤسسة نبيلة.

 

الإغتراب كقوة تحول

يختلف الأداء المهني للبشر في الغربة.  فلا يعود عطاؤهم ولا تعاملهم مع الوظيفة كما كان في بلادهم. ولذلك فمن الخطأ مقارنة عامل وافد مع عامل محلي، فالمقارنة غير منصفة.

ويأتي التحول تلقائياً نتيجةً للانتقال من بلدٍ إلى آخر لغاية العمل. ويظهر التحول على شكل التغيرات التالية:

1.     التزام أعلى بالعمل.

2.     التزام أفضل بالدوام.

3.     القدرة على العمل لساعات أطول.

4.     القبول بأعمال كان يمتنع عن قبولها في بلده. التخلي عما يسمى بثقافة العيب.

وينجم التغيير عن الأسباب التالية:

1.     التحرر من القيود الإجتماعية التي كان يخضع لها في بلده.

2.     البعد عن أعباء ومتطلبات الأسرة اليومية.

3.     الرغبة القوية في إنجاح مسعى الغربة وهو جمع أكبر مبلغ ممكن من المال.

 

إن التحول المكتسب في شخصية الشخص المغترب لا تزول تماماً بعودته إلى وطنه، وإنما يحتفظ ببعض ما إكتسبه من سمات.

 

التحول في ثقافة المؤسسة

إن تشكيل شخصية جموع العاملين في مؤسسةٍ ما، أو إعادة تشكيلها، أمرٌ ممكن، بل وضروري من أجل تبني ثقافات جديدة تناسب وضع جديد مثل تبني " إدارة الجودة الشاملة " أو التحول إلى إعطاء مزيد من الصلاحيات للعاملين وإعتماد أسلوب العمل الجماعي.  أو غير ذلك من الثقافات والنظم وأنماط العمل. 

وبالتالي فإن التحول الجماعي الموجه في المؤسسة التي  يُراد تحويل ثقافتها يهدف إلى تبني ثقافة قائمة على قيم جديدة إيجابية وأساليب تقدمية، بعد نبذ القيم السلبية التي عانت منها المؤسسة لدرجة دعت إلى التغيير.

ومن الطبيعي أن التغيير يجب أن يبدأ به المدير، بنفسه، أي يجب أن يتغير ويتحول إلى قدوة ويقود عملية التغيير بنفسه، مستخدماً أدوات وأساليب موجودة في مكان آخر من هذا الكتاب ولا داعي للتكرار، وتتركز على التوعية بشكلٍ خاص.

 

قدرة الجماعات على التحول بقدرات ذاتية  

نتعرض فيما يلي لقدرة جماعات لا يوجد الكثير من العوامل المشتركة فيما بينها، كما لا توجد لها قيادة مشتركة، وقد يكون هناك علاقة مشتركة مؤقتة وواهية.

تقول مارغريت ويتلي، وهي أستاذة في الإدارة ومديرة معهد بيركانا، أنها تأملت مجاري المياه والجداول والأنهار، من الطائرة أثناء سفرها.  وتساءلت ماذا يمكن أن يعلمنا ذلك في تنظيم مؤسساتنا.  فالماء يستجيب للجاذبية ويسعى إلى الوصول إلى البحر، ولكنه يتعامل مع ذلك بطرق متعددة، " فلا يوجد إعتماد جامد على شكل واحد، أو إجابات محددة، أو ممارسات سابقة " [5] .  فالماء يبدو أنه يركز على الإتجاه والهدف ويختار لتحقيق ذلك طرق متعددة.  وفي الشركات والمؤسسات يوجد ما يعيق هذه الظاهرة من أن تتفعل.  فهناك إعتقاد أن هناك طريقة واحدة صحيحة، وبالتالي هناك إملاء حول كيفية إنجاز العامل يحدد كل التفاصيل، يتلقنه العاملون أثناء التدريب وقبل البدء بالعمل ويتم تذكيرهم بإستمرار أن لا يخرجوا عن الطريق المرسوم.  وهذا نهج بدأ يجد ناقديه لثبات عدم نجاعته وعدم ملائمته لعصرٍ يمتاز  بتزايد الوعي والإستنارة. 

ولنعد إلى الجماعات التي لا يوجد بينها الكثير من الروابط ولا يجمعها قيادة واحدة، كما لا تتحكم بأدائها نظم وقوانين، فهي بالتالي متحررة من هذه القيود.

عزيزي القارئ، هل سبق وأن شاركت بمظاهرة عفوية ؟، مظاهرة لم تعلن عن تنظيمها نقابة أو حزب، مظاهرة لا يقدمها مجموعة من الأشخاص الضخام جهوري الصوت.  إن مظاهرة من هذا النوع عفوية، خرج الناس العاديون للمشاركة بها إحساساً بالغضب من حدث أو تصريح أو مطالبة بشيءٍ ما.  هذه المجموعة من البشر، ستبدأ بالتجمع في مكان مناسب في المدينة ؛ ساحة عامة أو شارع رئيسي.  وسيبدو عليها بعض الفوضى، فوضى في الشعارات المهتوف بها، وفوضى في إتجاه التحرك.  فوضى الشعارات لا تمس الجوهر، إنما تقتصر على الصياغة والكلمات.  أما فوضى الإتجاه فلا تمس الهدف الأساسي، الذي هو إسماع الصوت، الذي يمكن أن يتم بالإتجاه إلى رئاسة الوزارة أو إلى مكاتب الأمم المتحدة أو إلى سفارة دولة ذات علاقة.  وجميعها تخدم الغرض.   والملاحظ أن حرص المتظاهرين الذين تركوا أعمالهم وعرضوا أنفسهم لبعض المخاطرة، سرعان ما يفرزون شعارات يتفقون عليها، ويتفقون على مسارٍ محدد لمسيرتهم، كما سيفرزون قيادة من بينهم.  فالقدرة على التنظيم الذاتي لمجموعات البشر في غياب القيود بانواعها ممكن.  والأمثلة على ذلك في التاريخ كثيرة، تتخطى مظاهرة تنطلق لبضع ساعات، بل تنطبق على حركات غيرت وجه التاريخ في أقاليم عديدة في العالم.  لقد حدث هذا في بلاد عديدة، وإن كان هناك أحزاب وحركات سياسية ركبت الموجه، فإن الجهد التنظيمي العفوي المستمد من قدرة الجماهير على تنظيم نفسها لعب دوراً أساسياً.  لا يمكن تخيل إنشقاق المظاهرة، فدوافع الذين خرجوا للتظاهر بهذا الشكل أقوى، وربما أنبل، من أن تسمح بإنشقاق بين ناس لا يعرفون بعضهم البعض.

عزيزي القارئ، هل سبق وأن لاحظت تصرف السائقين على طريق خارجي عندما يهطل المطر للمرة الأولى في السنة، حيث يُتوقع، من خبرات سابقة، أن الطريق سيصبح لزجاً، بحيث يفقد السائقون سيطرتهم على سياراتهم، فتزداد نسبة الحوادث، فالغالبية تدرك أن هناك خطراً متزايداً ينبغي التعامل معه. وسرعان ما ينتظم الجميع بمسلكية موحدة تتسم بعدم التجاوز والقيادة بسرعة أقل من المعتاد، وهذا يحصل دائماً، في بداية كل موسم.  فتجد أُناساً لا يعرفون بعضهم، عرضة لخطر مشترك، ويملكون الخبرة نفسها، توحد سلوكهم للتخفيف من إحتمالية تعرضهم لخطر الحوادث.  وقد يعني هذا أن السيارات التي تتعرض للحوادث في هذه الظروف، إما يكون سائقوها لم يدركوا الخطر الداهم وخالفوا الجماعة، أم أنهم تأخروا في رد فعلهم.

وهناك مثال آخر عشته قبل سنوات فقد كنت أقود سيارتي على طريق سريع في منطقة صحراوية عندما هبت عاصفة رملية شديدة فجأةً، الأمر الذي جعل الرؤيا محدودة بأمتار قليلة.  لقد كانت الخيارات محدودة إما التوقف على جانب الطريق أو الإستمرار، فلم يكن هناك مخارج.  أما التوقف فقد تتسبب تدني الرؤيا بأن يخطئ أحد السائقين ويعتقد أنها سيارة متحركة ويرتطم بها من الخلف.  أما الإستمرار، فيقود إلى سؤال آخر، وهو على أي سرعة؟.  وطبعاً قررت الإستمرار بالمسير متباطئاً تدريجياً.  وبعد حين لاحظت أنه لم يعد يتجاوزني أحد، كما أني لم أعد أتجاوز أحد، وعندما نظرت إلى عداد السرعة كان يشير إلى 60كم / ساعة.  لقد حدث إتفاق بين السائقين على تخفيض السرعة وتحديدها، دون أن يكون هناك إتصال فيما بينهم، وذلك تحت وقع خطر داهم جعل منهم " جماعة " دون أن يعرفوا بعضهم.  وقد قدت السيارة لأكثر من نصف ساعة إلى أن وصلت غايتي دون أي مخالفة لهذا الإتفاق.

يجب تقدير قدرة الناس على تنظيم أنفسهم، كما يجب إحترام قدرتهم على تسيير أمورهم.  وفي المؤسسات الصناعية والخدمية، يجب تقدير قدرة العاملين على الإجتهاد وإتخاذ القرارات وعلى تنظيم أنفسهم بل وعلى فرز قياداتهم. 

وهذه ليست دعوة للفوضى، وإنما دعوة للوثوق في قدرات العمال والإدارات الإشرافية والوسطى على العمل بهامش حرية كبير، بدون ضرورة توفر تعليمات تغطي كافة مناحي نشاط المؤسسة، فتشكل " طريقة واحدة " للقيام بأي عمل، بحيث يُعطى العاملون خيارات متعددة لممارسة النشاط المتوقع والمطلوب منهم.  إن العاملين أقدر من غيرهم على تحديد أفضل طريقة لتنفيذ عملٍ محدد، إنهم أقدر على القيام بتحويرات في عمليات الإنتاج وفي إيجاد حلول تنظيمية.  يستطيع العمال، الذين يفترض أن يقفوا في أسفل الهرم الوظيفي، أن يقدموا حلولاً لمشاكل عديدة ؛ في التصميم وفي موازنة خطوط الإنتاج وفي إعداد ماكينات الإنتاج وإختيار مدخلات الإنتاج وكيفية رفع الكفاءة وتحسين الجودة وتقليل الهدر في المواد والوقت وغير ذلك كثير.  إن كثيراً  من المشاكل التي تعاني منها بعض المؤسسات، يعرف العاملون بها حلها ويتكلمون عن ذلك فيما بينهم، وفي مؤسسة لا تصغي لعامليها ولا تتواصل معهم، ولا تحترم قدراتهم إصلاً، قد تلجأ إدارة المؤسسة إلى حلول مكلفة ومرهقة بينما الحل موجود ومضمون.        

لقد كشف التحقيق في حادث إنفجار مكوك الفضاء تشالنجر أن عمال المصنع الذي صنع وورد القطعة التي تسببت في الحادث كانوا يعرفون أنها لم تكن تلبي المواصفات المطلوبة، ولكن الجو العام والثقافة السائدة في المصنع منعتهم من الكلام.

في كثير من المؤسسات يبادر العمال إلى القيام بتحوير في عمليات الإنتاج، فتلجأ بعض الإدارات إلى النهي عن ذلك وتصر على العودة إلى ما تنص عليه التعليمات.. حرفياً.  وبذلك تتصرف بطريقة لا تعبر عن إحترام جزء مهم من مجتمع المؤسسة، وتضيع بذلك طاقات مهمة، كما تقتل روح المبادرة لدى قطاع واسع من العاملين في المؤسسة.  على الإدارة أن لا تخشى ما يبدو انه فوضى.  فقدرة العاملين على تنظيم أنفسهم عالية ويجب أن لا يستهان بها.  أما الأ مر الذي ينبغي الخوف منه فهو غياب الوعي والإحساس بالاتجاه والدافعية لدى العاملين.  تماماً مثل ماء المطر، الذي يسعى إلى الذهاب إلى البحر مدفوعاً بالجاذبية، وتتعامل مع الصخور والأتربة التي تقف بطرق مختلفة مع الحفاظ على الهدف والدافعية.    

سرد جاك ويلش المدير السابق لجنرام إلكترك أن عاملاً قال لمديره في أحد إجتماعات الشركة " لقد تقاضيت راتباً منك لمدة 35 سنة مستفيداً من عملي اليدوي فقط وكان بإمكانك أن تستفيد من عقلي بدون مقابل ولكنك لم تفعل " [6] ، وهذا ما يحدث في الغالبية العظمى من مؤسساتنا الإقتصادية حيث تجري عملية هدر كبيرة للقدرات العقلية للعاملين فيها بتهميشها وتجاهلها.

 

الارتقاء بقدرات الأفراد  

في خضم عملية تغيير الأفراد في مؤسسةٍ ما، يجب أن لا يقتصر التغيير على تحسين "نواياهم" ولكن يجب العمل على الارتقاء بقدراتهم.  وذلك لسببين الأول من أجل تحسين الأداء والإرتقاء به وبالتالي الحصول على نتائج أفضل، وكذلك لتسهيل إجراء التغييرات والتحولات برفع قدرة الأفراد على تقبل التغيير.  وفيما يلي أمثلة على الجوانب التي قد يكون من المفيد المبادرة في إحداث تغيير فيها :

 

·        رفع فاعلية النشاط الذهني للأفراد :  لا يخفى على الكثير من المتطلعين أن الإنسان لا يستخدم طاقاته الذهنية المتاحة كلها.  بل يستخدم نسبة متدنية جداً منها.  وهناك وسائل وأدوات تُستخدم لتدريب الفرد على رفع كفاءة نشاطه الذهني، كماً ونوعاً.  وفي كثيرٍ من الحالات يمكن للمرء أن يدرب نفسه على أمورٍ مثل التفكير المركز، بحيث يتعاطى ذهنياً مع موضوع واحد بذات الوقت دون السماح لموضوع آخر أن " يشوش " على هذا الموضوع.  وكذلك التدرب على تحسين الذاكرة والتفكير الخلاق والقدرة على الإستيعاب.  وغير ذلك.. 

·        تحسين القدرة على التركيز:  والمقصود بالتركيز هنا، تركيز في العمل.  وهذه حالة ذهنية بقدر ما هي حالة إجرائية وتنظيمية.  والتركيز focus هو القدرة على القيام بعملٍ واحد، بإعطائه كامل القدرات والمهارات المتاحة بدون أن يكون هناك قضايا أخرى تستحوذ على جزءٍ من الجهد وتشتته.  وهذا لا يجب أن يكون سبباً في زيادة عدد الموظفين في المؤسسة، وإنما دافعاً لتنظيم الأمور فيها بحيث لا تتداخل الأولويات.  ويتم ذلك بتدريب العاملين فيها على عدم تشتيت قدراتهم الذهنية بالتركيز على العمل المناط بهم لغاية إغلاقه، وبالتالي يصبح عدد المواضيع " المفتوحة " أقل، وهذا يخفف من الأعباء الإدارية. 

·        تفعيل القدرة على اتخاذ القرارات :  تعتري قدرة بعض المدراء ضعفاً ناجم عن تجارب سابقة، أو عن تعقيدات تنظيمية تحد من صلاحيته، أو من انتشار ثقافة اللوم في مجلس إدارة يبحث دوماً عن كبش فداء. 

 

وفي حقيقة الأمر فان تخوف المدير من اتخاذ القرارات يضعف أداء المؤسسة، ويُبطئ مسيرتها، وبالتالي لا بد من معالجة هذه القضية.  وخصوصاً أن التخوف والتردد في اتخاذ القرارات تنتقل عدواه إلى كافة المراتب الإدارية.  فيصبح الجميع ممتنعاً عن اتخاذ قرار قبل أن يضمن أنه لا يخالف أي تعليمات أو نظم، من قريب أو من بعيد، كما يسعى للمشورة لحماية نفسه. وربما لا يسعى لعمل ذلك جميعاً فيكتفي بالرفض.

وتعالج هذه النقيصة بإزالة أسبابها التنظيمية والإدارية، ومحاربة ثقافة اللوم، وتشجيع الإداريين على الإقدام وإتخاذ قرارات، وعدم الخوف من الخطأ ومن النتائج عموماً.

 

·        تقوية نزعة عمل الفريق :  لقد تمرس أكثر الناس على العمل الفردي لزمنٍ طويل، لدرجة لم يعودوا معها قادرين على أن يجدوا لأنفسهم مكاناً في فريق، فهم لا يمتلكون روح الفريق، وغير قادرين على العمل الجماعي. 

 

ويعالج هذا من خلال تدريب خاص تحت إشراف إستشاري مختص.  ومن خلال التوعية وتشجيع الإدارة للتوجهات التي تخدم تنمية روح الفريق، وفرض نظم تقييم جديدة قائمة على التقييم الجماعي وليس الفردي، وهذا يساعد كثيراً على إجراء تحول في مواقف ومعتقدات هؤلاء الأفراد.

 

·  المحادثة :  تتطلب المحادثة مهارةً خاصة تضمن إيصال المعلومة بوضوح وكفاءة عاليين.  وهذا يتطلب تحسين القدرة على النطق بوضوح، والقدرة على ترتيب الأفكار وصياغتها قبل إلقاءها أو النطق بها.  وكذلك كيفية إستئناف الحديث بعد المقاطعة.  وإستخدام النبرة المناسبة في الحديث..إلخ.

 

·  كتابة التقارير :  يهتم كثيرون بكتابة التقارير، لدرجة يعتبرونها فناً.  وهي تتطلب مهارة تساعد على ترتيب الأفكار بشكل متسلسل ومنطقي ينقل الفكرة المراد إيصالها، دون إطالة غير ضرورية. وهذا موضوع يمكن تعلمه من الكتب ومن الجامعات وفي دورات خاصة. 

ويروى أن الرئيس الفرنسي بومبيدو لفت نظر الرئيس ديغول عندما كان موظفاً صغيراً في الرئاسة الفرنسية بتقاريره التي كان يكتبها، مما جعل ديغول يقربه، إلى أن أصبح رئيساً للجمهورية في نهاية المطاف.

  

·  القدرة على التأثير في الآخرين : هذه قدرة ومهارة مهمة، فوجودها لدى مدير او قائد يقود عملية تغيير، أساسي وضروري. فإذا وُظفت القدرة في التأثير على الآخرين سلباً فإنها تتحول إلى لعنةٍ تصيب المجتمع الذي يقوده هذا الشخص سواء كان مجتمع العاملين في مؤسسة أو شعب دولة من الدول.  فلم يكن لهتلر أن يضرب العالم بشعبه ملحقاً الضرر بكليهما، إلا من خلال إمتلاك هذه المهارة.

 

وبإعتقادي أن جميع المهارات التي يمتلكها الإنسان ممكن أن تُنمى وأن تتطور، ولكن بعضها سهل التناول بحيث تجد في المكتبات الكثير من الكتب تبحث في طرق تنميتها وشحذها، كما قد يكون هنالك مساقات تعليمية تُعنى في هذا المجال، ويمكن بالتالي ترتيب دورات خاصة لهذه الغاية. بينما هناك مهارات أخرى قلما تجد مادة مكتوبة عنها، الأمر الذي يتطلب إيجاد وسائل مبتكرة لتنميتها، ويمكن أن يتم ذلك من خلال تحول ذاتي، بإشراف ذاتي، يسعى إلى تنمية تلك الجوانب في الشخصية بحيث تجعلها أكثر تأثيراً، والتخلص من ما ينتقص منها.  وهذا يدعو للعمل على جوانب شديدة التنوع في شخصية الفرد ؛  تتراوح من المشية واللباس إلى طريقة النطق ونبرة الصوت، مروراً بمنطق الحديث وأسلوب الطرح وتعابير الوجه إلخ..

 

·  العمل بلا أخطاء (كأفراد) : وذلك من خلال حصر الأخطاء وتطوير آلية لإحصاء هذه  الأخطاء والعمل على تقليل حدوثها وتكرارها ثم تقييم التحول [7] .

 

وهذا في الغالب يحتاج مساعدة مستشارين محترفين من خارج المؤسسة، حيث بالإمكان ترتيب دورات وورش عمل للعاملين لهذه الغاية. كما يحتاج جهداً ذاتياً ورغبة صادقة في التحول لاكتساب مهارات جديدة.

 

الإرتقاء بالأداء الجماعي

الأداء الجماعي يتطلب مهارات جماعية ينبغي تطويرها والإرتقاء بها.  والمهارات الجماعية لا تظهر تلقائياً لدى الفريق لكون أعضاء الفريق يتمتعون بها فرادى، على الرغم من أهمية ذلك.  فمن الضروري أن تتواجد هذه المهارات لدى الأفراد، كأفراد، وكذلك من الضروري أن يعتاد الفريق ممارستها بشكل جماعي، متسق ومتناغم بحيث تضاف جهودهم إلى بعضها، ولا يلغي بعضها الآخر.  فقد يكون كل عضو بالفريق قادراً على الخوض في عملية إبداعية لإيجاد مخرج من أزمة، بشكلٍ مستقل. ولكنه يجد الإبداع الجماعي يضعف من قدرته على التفكير ويتسبب له بتشويش ويقلل من قدرته على التركيز، وبالتالي فالفريق، إذا ما كان أعضاؤه جميعاً أو غالبهم على شاكلته، فإنه، كفريق، لا يملك هذه المهارة على الرغم من إمتلاك أعضائه جميعاً لها بشكلٍ فردي.

ومن هنا فإن الفريق يحتاج إلى تدريب جماعي على المهارة المطلوبة لكي يمتلك ناصيتها ويعمل بها كفريق.

  

·        العمل الجماعي : يميل معظم المدراء والأفراد عموماً إلى العمل منفردين، على الرغم من نزعة البشر الفطرية نحو العمل الجماعي.  وفي الحقيقة أن الإنسان مارس أولى نشاطاته بشكلٍ جماعي؛ إصطاد واستصلح الأرض وحارب بشكل جماعي.  وإستمر يمارس الكثير من الأعمال بفرق تعمل بتناغم عجيب ؛ فرق من المجذفين تعمل في سفن تمخر عباب البحار، ومجموعات من الحصادين تحصد الحنطة في الحقول، ومجموعات من غارسي شتلات الأرز.  كما عرف العالم عبر العصور رجالاً يحملون رماحاً، ولاحقاً بنادق، ويتقدمون بصفوف منتظمة، في ساحات التدريب والمعارك.  وفي تراثنا بالذات، صفوف الشباب والشابات يرقصون الدبكة، وفزعة رجال يساعدون في بناء بيت لأحدهم، أو مجموعة من الرجال تركوا أعمالهم وتركزت إراداتهم لحل مشكلة بين عائلتين.

   وبالتالي ليس من الصعب تدريب الناس على العمل الجماعي.  فهو طبيعة بشرية، فهو يُعطي حساً بالأمان، كما أعطى الإنسان الأول.  ولكن ما الذي يجعل البعض لا يفضلون العمل الجماعي ؟.  إنه في الغالب ذلك الحس بعدم الأمان الناجم من خوف الناس من بعضهم.  الخوف من الضياع في الزحام، الخوف من فقدان الهوية، الخوف من فقدان القدرة على التأثير، الخوف من فقدان الفضل في الإنجاز، فتنسب إنجازات ساهموا بها لغيرهم.  فإذا أمكن إزالة هذه المخاوف وأوهامها، وتحويل العمل الجماعي في نظر أعضاء الفريق إلى مصدر للطمأنينة والتعاون، فإن دوافع العمل الفردي ستزول.  ويأتي ذلك من خلال التوعية والتوجيه والتدريب والممارسة.  كما يعزز روح العمل الجماعي في المؤسسات تغييب نظم المكافئة الفردية والتحفيز الفردي التي تعزز الفردية وتزيد من التنافس بين الزملاء، وإستبدالها بنظم قائمة على تقييم الفرق والجماعات، الأمر الذي يزيد من تكاتف الفريق ويقوي بناءه.  قد يكون من الخطأ تجاهل نزعة الإنسان الفردية بشكلٍ كامل، ولذلك يجب أن يكون هناك تقديراً للجهود الفردية ضمن الفريق، بدون مبالغة وبدون إثارة باقي اعضاء الفريق.  ويبقى الوعي والمهنية العالية سيدا الموقف.

 

·        الابداع الجماعي : إن الإبداع الجماعي حالة متقدمة من العمل الجماعي حيث يشترك مجموعة من الأفراد بوضع حل أو التوصل إلى فكرة جديدة من خلال تفاعل أفكارهم ومساهماتهم وإنتقاء الأفضل، ويتم هذا من خلال عدد من الطرق والأساليب التي تجعل الفكرة تصدر، في نهاية الأمر، بشهادة ميلاد مكتوب في خانة الوالدين فيها  أسماء كثيرة. 

ولجعل هذا النهج ممكناً ومنتجاً ينبغي القيام بما يلي:

1.     نشر ثقافة تشجع على تقبل النقد، كما تشجع المشاركة في صنع القرار وإبداء الرأي دون خجل أو خوف، بحيث يخرج الفريق بأفكار وحلول مدروسة.

2.     قيام المدير بإستشارة عدد كبير من العاملين في المؤسسة على شكل أفراد وجماعات، بحيث يقوم بصياغة الفكرة أو المشروع بناء على آراء الناس الذين إستمع إليهم.

3.     تشكيل لجان متعددة الوظائف  cross functional teams ، تقوم بدراسة المشاريع المطروحة للنقاش بحيث تخرج بقرارات أو توصيات.  وتتشكل هذه اللجان من أشخاص يعملون بوظائف ومراتب وظيفية متعددة.

4.     تشكيل ما يسمى مستودع أفكار think tank من مدراء الأقسام في المؤسسة بحيث يعقد جلسات للنظر في أوضاع المؤسسة بشكل عام، ووسائل الارتقاء بأدائها.  ويعقد اجتماعاته بشكل دوري ولا يعمل بردود الفعل.  وفي اعتقادي أن هذا الترتيب ضروري في المؤسسات التي تتبنى فلسفة التحسين المستمر، ويمكن أن يتم تحت مسميات وبطرق مختلفة، ولا يشترط أن تكون العضوية فيها ثابتة.

5.     تشجيع العصف الذهني brain storming وهو نشاط جماعي يهدف الى التوصل الى افكار جديدة والتجديد والتحسين يمارس ضمن مجموعة من الافراد يجتمعون في جلسة ويشجعون على إبداء آراءهم حول مشكلة معينة وطرح حلول لها.  ويفضل أن لا يتم التعليق على الأفكار فوراً وإنما تجميع أكبر عدد من الأفكار، ثم يطلب منهم تطوير أفكار بعضهم البعض، بحيث يتصاعد النقاش وينحصر تدريجياً بعددٍ قليل من الأفكار يسهل تبني إحداها.

 

من الضروري للغاية تجنب التعليقات اللاذعة التي قد يحلو للبعض أن يطلقها على سبيل الدعابة عند الإستماع إلى فكرة مستغربة، كما أنه من المفيد أن تدون الأفكار جميعها، وأن لا يتكون الفريق من عدد كبير من الأفراد (8–10) وأن يكون هناك ميسر متمرس facilitator ، من داخل المؤسسة أو من خارجها.

 

وهناك تقاليد، يساعد ترسيخها على تعزيز الإبداع الجماعي، مثل حسن الاستماع وإحترام آراء الآخرين وتحمل النقد وغير ذلك من الممارسات التي تخفف الحساسيات.  وكذلك تجنب إصدار أحكام مسبقة، وعدم إستصغار الآخرين وإعتبار مساهماتهم سطحية دون الإستماع إليهم، ففي بعض الحالات قد تشكل أفكار يطلقها أشخاص  يفترض أنهم لا يمتلكون الخبرة -عمال، متدربون، ...- مخرجاً من أزمة أو حلاً جذرياً لمشكلة أو فكرة خلاقة جديدة تماماً، ويسمى هذا " إبداع البراءة "  creativity of innocence .  ويجب أن ينظر إلى ذلك كمصدر إلهام مهم، ولذلك يجب عدم إستبعاد الفئة أو الفئات التي تشكل منبعاً لهذا النوع من الإبداع وإنخراطها في الجهد الجماعي للإبداع.

كما أن هناك أساليب مبتكرة تزخر بها كتب مختصة بهذا المجال، مثل طريقة القبعات الست six hats method ، وكل واحدة من هذه القبعات تخص حالة ذهنية معينة ؛ مثل التفاؤل والتشاؤم إلخ.. حيث يمارس عدة أشخاص أدوار متعددة بحيث يرتدي أحدهم، مجازاً، قبعة معينة، فيبدي رأيه بما هو مطروح بناءً على ذلك، وبالتالي تتراكم هناك أفكار عديدة متباينة، تساعد على التوصل إلى أفكار جديدة. ويعزى هذا الأسلوب إلى إدوارد دي بونو، وهو باحث أمريكي يعني بتطوير قدرات الأفراد والجماعات على التفكير الإبداعي.  والقبعات الست هي:

1.     بيضاء : يركز مرتديها على المعلومات المتوفرة والحقائق الموضوعية.

2.     حمراء : ويتقمص مرتديها شخصية الشخص العاطفي والذي يتبع أحاسيسه.

3.     سوداء : ويمارس مرتديها دور الناقد، الذي يبحث عن خللٍ ما.

4.     صفراء : ويلعب مرتديها دور المتفائل والموضوعي بايجابية.

5.     خضراء : ويقوم مرتديها بدور المبدع الذي يطرح أفكاراً جديدة ويطرق آفاقاً غير مطروقة.

6.     زرقاء : ويوجه مرتديها بقية المشاركين وينظم الافكار ويطورها [8].

    

·        التواصل الشمولي : سنتطرق لموضوع التواصل بشكلٍ أكثر تفصيلاً في فصلٍ لاحق، ولكن نود الآن أن نركز على رفع مهارات الاتصال في داخل المؤسسة، بحيث تنقل المعلومات إلى كافة الأقسام فيستفيد منها من له علاقة بها، ويطلع الآخرون عليها "للعلم".  وهذا العلم يجب ان لا يتوقف عند ذلك، بل يجب توعية وتدريب وتربية الفريق على المبادرة بالتقدم وإبداء الرأي والنصح و المشاركة في صنع قرار أو إيجاد مخرج من أزمة أو حل مشكلة.

 

إن التواصل الشمولي، وهو توجيه التواصل في جميع الإتجاهات، يؤدي إلى الإنفتاح المعلوماتي، وهو من سمات المؤسسة المستنيرة [9] ، والمنظمة التعليمية أو المؤسسة المعرفية learning organization .  وبالتالي فإن رفع قدرة الفريق على التعامل مع فيض المعلومات المتدفقة على الجميع، من خلال :

1.     صياغة المعلومات الصادرة بصورةٍ مختصرةٍ ومعبرة تضمن وصولها كاملة وسليمة.

2.     ضمان دقة المعلومات.

3.     توقيت إرسالها جيداً.

4.     عدم إطالة الرسائل والتقارير بدون داعي.

5.     عدم تأخير الإطلاع على المعلومات الواردة.

6.     الرد أو تنفيذ ما هو مطلوب أو تقديم مداخلة أو وجهة نظر دون تأخير.  فالنصيحة المتأخرة لا قيمة لها.

  إن التواصل الشمولي يعزز بناء الفريق ويقويه ويغني العمل الجماعي من خلال مساهمات قيمة، كما يقضي على ثقافة الحواجز والخوف والخجل من الأخطاء ومعرفة " الآخرين " بها، كما يزيد من ميل صانعي القرار إلى المجازفة المحسوبة.

 

·        رفع القدرة على مراكمة المعارف بصورةٍ جماعية : تخزن المؤسسات خبراتها في عقول العاملين بها، بالإضافة إلى نظم حفظ الملفات، التي لا تهرع للمساعدة بقدراتها الذاتية، فتبقى العقول المستودع الأهم لمراكمة المعارف وحفظها، والتي تشكل خبرات المؤسسة وتجربتها. وفي مؤسسة تعمل بروح الفريق وتمارس كافة نشاطاتها بشكلٍ جماعي، لماذا لا يكون لها ذاكرة جماعية، بحيث تحفظ المعلومات والمعارف المتعلقة بنشاطها اليومي بذاكرة العاملين فيها.  ولكن هل من الممكن أن يقسم شخصٌ ما، المدير أو غيره، المعلومات على أعضاء الفريق بحيث يطلب من أحدهم أن يتذكر شيئاً بينما يطلب من آخر أن يتذكر شيئاً آخر.  هذا غير منطقي وغير معقول.  ولكن الإشتراك في المعلومات وإهتمام جميع العاملين بجميع المعلومات يؤدي إلى ذاكرة جماعية بشكل تلقائي وسلس.

 

·        العمل بلا اخطاء كأفراد : للتعامل العلمي مع الاخطاء ينبغي حصر جميع أنواع الأخطاء الممكن والمحتمل وقوعها في المؤسسة، وذلك من خلال التجارب السابقة للمؤسسة نفسها ولمؤسسات أخرى. وفيما يلي عدد من الأخطاء النموذجية التي تحدث في معظم المؤسسات من قبل معظم الأفراد.  ومجرد إعداد قائمة بهذه الأخطاء، ومعرفتها وتوقع حدوثها باستمرار، يطلق آلية داخلية لمنع حدوثها وتكرارها بحيث تساعد على التقليل من حدوثها فعلياً.  كما أن مساعدة خارجية على صورة تدريب وتوعية وإنشاء آليات تنبيه خاصة :

 

1.     الأخطاء المرتبطة بالوقت: مثل التأخر في تثبيت طلبية، أو سوء توقيت حركة معينة.

2.     الأخطاء الناجمة عن سوء التقدير: مثل الخطأ في احتساب كميات لإنتاج طلبية معينة.

3.     الأخطاء الناجمة عن الفهم الخاطئ للمواصفات : مثل نسب مكونات منتج معين.

4.     الخطأ الناجم عن القياس :  مثل تمرير معلومة تحتوي عدداً خاطئاً لكمية معينة، أو قياس غير دقيق لبعد معين، الأمر الذي يبنى عليه قرارات تؤدي إلى نتائج غير مقبولة.

5.     عدم الإنجاز : أي عدم تحقيق المطلوب، مثل الفشل في الحصول على خصم لشراء سلعة معينة.

...وهكذا يمكن إعداد قائمة كهذه مع تفصيلها بعض الشيء بحيث يراقب الشخص أداءه لملاحظة عدد المرات التي يرتكب فيها خطأ من نوعٍ معين، ومتابعة التقدم دافعاً باتجاه تقليل وقوع الأخطاء.

 

·        العمل بلا أخطاء جماعياً : مثلما دعونا إلى تشجيع الأفراد العمل على الحد من إرتكابهم أخطاء مهنية بقدر ما هو ممكن بشرياً، ندعو أيضاً إلى العمل على تدريب الجماعات على التقليل من إرتكاب الأخطاء المهنية بالشكل الجماعي.  ويذكر هنا أن الجماعات البشرية ترتكب أخطاءً مثلما يفعل ذلك الأفراد، وكثيراً ما ترتكب شعوب وأمم أخطاء جسيمة. وفي الواقع أن هذا يحدث بكثرة من خلال السير وراء زعماء غير مخلصين وتبني أيدولوجيات تضر في مصلحتهم الوطنية على المدى البعيد، وفي ثقافة معظم الشعوب توجد مفاهيم إجتماعية ومعتقدات وعادات خاطئة.  وينطبق ذلك على العاملين في الشركات والمصانع الذين كثيراً ما يقعون في أخطاء يرتكبونها بصورةٍ جماعية على شكل مفاهيم مغلوطة ومسلكيات مهنية خاطئة أو قرارات غير سليمة.  وفيما يلي إستعراض لبعض أنواع هذه الأخطاء التي قد يرتكبها العاملون في مؤسسةٍ ما جماعياً:

 

1.     التضارب : ينبغي لأنشطة الأفراد والجماعات أن لا تتضارب مع بعضها.  مثل إعطاء تعليمات متناقضة.  أو القيام بممارسة تتناقض مع ثقافة الممارسة.

2.     تبعثر الجهود : القيام بأنشطة وبذل جهود لا تضاف إلى بعضها لأسباب مثل القيام بها في أوقات وأماكن متباعدة.

3.     غياب التناغم : يتطلب العمل الجماعي وجود حالة من التناغم في الجهود والنشاطات المقدمة من قبل الأفراد والجماعات في المؤسسة.  بحيث تضاف هذه الجهود إلى بعضها، وينجم عنها محصلة عالية.  فعدم التناغم يؤدي إلى القيام بجهود تلغي بعضها البعض، الأمر الذي يعني ضياع الكثير من المجهود هباء.  

4.     وهناك نوع رابع من الأخطاء، وهو قلما تتطرق إليه كتب الإدارة، وهو الأخطاء المتعمدة.  والتي قد تتدرج من الامتناع عن المساعدة وتقديم معلومات إلى تعمد التخريب على الفريق وعلى بعض الزملاء. وهذا النوع من الممارسة غير المقبولة يقوم بها أفراد وجماعات، وهي تسبب أضراراً بليغة وتعاني منها مؤسساتنا الكثير.

 

العلاقات في داخل المؤسسة(التعاضد والتكافل والتعاون والتكامل والتحابب)

هذه خصائص وممارسات عظيمة مشوبة بفضائل سامية يتمنى كل مجتمع أن يتصف بها وتسود في أوساطه.  ولا يشترط بناء المدينة الفاضلة أو جمهورية أفلاطون حتى تتحقق وتظهر إلى الوجود. بل إنها، في المؤسسات، ضرورات مصلحية أكثر منها ضرورات أخلاقية.  وبالتالي فإن الأفراد، كموظفين، والجماعات، كمؤسسات، تستفيد الكثير من ذلك دون أن يكلفها ذلك شيئاً.  بل إن إنعكاسها على الجو العام يجعل العمل ممتعاً ويزيد من قدرة الجميع على العطاء ويرفع من سوية الأداء العام.

إن هذا النمط من العلاقات ضروري لدول العالم الثالث، حيث يوجد نقص ملحوظ في الكفاءات، مما يتطلب ضرورة أكبر لمساندة الزملاء لبعضهم وتعاونهم بشكل مخلص، حيث يقدمون النصح الصادق لبعضهم ويعملون في جوٍ تسوده المودة وحب الخير للغير،  والتخلص تماماً من الشللية والتحاسد والتآمر فيعوضون بذلك نقص المهارات والقدرات المهنية والإدارية والفنية.    

إن هذا الجو يعطي المؤسسة دوراً أُسرياً مبني على إنتماء موظفيها القوي والعميق  فينجم عن ذلك جو إبداعي، تُفَجر فيه طاقات العاملين، ويتحسن فيه الأداء العام.

 

التغيير

يحتاج الوضع غير المُرضي في مؤسسة إلى تغيير يشمل جهداً موجهاً للقضاء على العناصر السلبية التي شكلت الوضع القائم وبناء وضع جديد يتسم بسمات جديدة تحقق أهداف وتطلعات قادة المؤسسة والذين يقودون عملية التغيير.

 

القابلية للتغيير

تتفاوت قابليات الناس للتغيير. ويعتمد ذلك على عددٍ من العوامل مثل الثقافة والعمر والموقع الوظيفي والمصالح المكتسبة وغير ذلك.  وفي العادة يقسم العاملون في المؤسسة إلى أربع مجموعات حسب مواقفهم من التغيير :

1.   خصوم : وهم في الغالب من الذين لديهم مصلحة في بقاء الوضع على ما هو عليه، وقد يكون ذلك مفيداً لمصالحهم. ويقف موقفاً سلبياً أولئك الذين يتوصلون إلى قناعة بأن الوضع الجديد سيحجمهم، ولن يستطيعوا أن يحافظوا على مكانتهم فيه. 

2.   مؤيدون : وهم الذين يتمنون التغيير ويبدون استياءهم من الوضع الراهن.  وكذلك من الذين فهموا دوافع التغيير وموجباته. يقول جاك ويلش عن هؤلاء أنهم، لحسن الحظ، يُظهرون أنفسهم، وهم لا يتعدون 10% من مجموع الإداريين [10] . 

3.   خصوم مخفيون : وهم في الغالب من الذين لا يحبذون التغيير بطبيعتهم، ومن الواقعين تحت تأثير الفئة المعادية للتغيير صراحةً، ولكنهم لا يخوضون حرباً لمنع التغيير.

4.   مؤيدون محتملون : وهم من الذين يحتاجون إلى بعض الجهد لإقناعهم، وهم في الغالب من خارج الإدارة العليا [11].

وعادةً ما توجد مجموعة خامسة، وخاصةً في عالمنا الثالث، وهي ما نسميه في القاموس السياسي بالأكثرية الصامتة.

 

مقاومة التغيير

يمارس أغلب الناس مقاومة فطرية تجاه التغيير.  ويختلف حجم المقاومة وزخمها من شخصٍ لآخر، ومن مجتمعٍ لآخر، ومن مرحلة تنموية لأخرى.  فيسعى الكثير من الأفراد والجماعات إلى الحفاظ على الأمر الواقع معتقدين أنه من أجل "الحفاظ على الهوية والشخصية يجب حماية أنفسهم من متطلبات القوى الخارجية" [12] وكذلك الداخلية. فيسعى هؤلاء الأفراد والجماعات إلى "الاعتقاد أن العزلة والحدود الظاهرة للعيان تشكل أفضل الطرق للحفاظ على الشخصية " [13]

وفي العموم يلجأ البعض لمقاومة التغيير نتيجةً لواحد أو أكثر من الأسباب التالية :

1.     الحفاظ على مكتسباتهم الخاصة واعتقادهم بأن التغيير سيؤثر سلباً على هذه المكتسبات.

2.     سوء فهم دوافع التغيير وغاياته. ولذلك يجب أن يكون هناك وضوح في غايات وأهداف التغيير [14] .

3.     ضعف القابلية للتغيير لدى بعض الناس.

4.     عدم الاقتناع بموجبات التغيير.[15]

 

إدارة التغيير

لا شك أن نجاح الجهد الساعي إلى التغيير يعتمد إلى حدٍ بعيد على إدارة التغيير.  وعملية التغيير عملية مستمرة، فهي نمط حياة [16] ، وتتضمن التعامل مع أنماط سلوكية وثقافات مختلفة وتشابك مصالح تتطلب تعاملاً حذراً ويقظاً. كما تتطلب عملية التغيير الكثير من الحنكة والقدرة على الالتفاف على محاولات خصوم التغيير الذين قد يكونوا من المتنفذين في المؤسسة وممن لا يمانع أن يفعل أي شيء لمنع التغيير وإفشاله.  وبالتالي إستخدام كافة الأساليب المتاحة لإحباط عملية التغيير.

إن الإطالة والتردد والبطء في تنفيذ عملية التغيير كثيراً ما تؤدي إلى الفشل. كما أن السرية، وخصوصاً في البداية وأثناء مرحلة الدراسة ضرورية، فمن المهم تخفيض فترة التوقعات إلى الحد الأدنى، لقطع الطريق على الإشاعات التي تؤدي إلى تراجع الأداء العام.

كما أنه من المهم معرفة موقف أعضاء الإدارة العليا على وجه الدقة، فلا يمكن للتغيير أن ينجح إذا ما تسلم أحد ملفاته مدير متظاهر بالإقتناع وغير متحمس للتغيير.

 

أدوات التغيير

يحتاج التغيير إلى أدوات لإحداثه، ويعتمد مقدار نجاح التغيير وسرعة إتمامه على الاستخدام الفعال لهذه الأدوات.  وفيما يلي ندرج ست أدوات نقلاً عن أحد المصادر :

 

1.     التوعية والتعليم والتواصل.

2.     المشاركة في الجهد الهادف إلى التغيير، بحيث يصنع العاملون التغيير بأنفسهم.

3.     تقديم رعاية خاصة للمتخوفين من التغيير لمساعدتهم على تجاوز مخاوفهم.

4.     التفاوض المباشر مع الذين يقاومون التغيير بسبب فقدان بعض المكتسبات والتفاهم معهم للتوصل إلى صيغة محددة قد تعطيهم بعض التعويض المادي والمعنوي.  وكذلك التفاوض مع العمال من خلال نقابتهم مثلاً.

5.     تقديم بعض التنازلات لبعض مقاومي التغيير.

6.     الإجبار المباشر وغير المباشر للذين يقاومون التغيير، وخاصة إذا ما كانت السرعة مطلوبة في إتمام التغيير[17].

ويدعو آخرون إلى ضرورة سرعة التخلص من معارضي التغيير، وهذا قرار يعود إلى مايسترو التغيير، فهناك حالات تفرض ضرورة التخلص الفوري من العناصر المعارضة قبل البدء بالتنفيذ العلني للتغيير، بينما هناك حالات أخرى يفضل محاورة هؤلاء المعارضين والعمل على استمالتهم أو على الأقل تحييدهم.  والتحييد قد يعني منحهم إجازة طويلة أو نقلهم إلى موقع آخر. 

يجب عدم الإكثار من إجراء التغييرات، فهذا يجعل نظرة العاملين إلى البرنامج التغييري المقترح بجدية أقل، كما يجب عدم التراجع عن البرامج التغييرية قبل إكمالها وعدم اللجوء إلى الشعارات الفارغة بل اتباع أساليب إقناع قوية وفي نهاية الأمر سيكون المنطق سيد الموقف [18] .     

 

 

 

 

 

 

 

 




[1] Masterful Coaching.

[2] نفس المصدر.

[3]  قادة لا مدراء.

 الحروب الصليبية، أر. سي. سميل. [4]

[5] Leadership And New Science, Margaret Wheately.

[6] Winning, Jack Welch.

[7]  راجع كتاب ثقافة الجودة الشاملة للمؤلف.

[8] Edward De Bono, Six Thinking Hats.

[9]  قادة لا مدراء للمؤلف.

[10] Winning, Jack Welch.

[11] Change management Iceberg, Wilfried Kruger.

[12]  القيادة والعلوم الجديدة، مارغريت ويتلي

[13]  نفس المصدر.

[14] Winning, Jack Welch.

[15] Six Change Approaches , Kotter and Schlesinger.

[16] Winning, Jack Welch.

[17] Six Change Approaches.

[18] Winning, Welch.

 
 

 


تعليقات

لا يوجد تعليقات

الإسم 
البريد الإليكتروني (ليس للنشر)
التعليق
هل توافق على الانضمام لمجموعتنا البريدية؟
  أرسل

 

Counter