إدارة بلا تعليمات - الفصل الرابع - تحول الأفراد
 
 


الفصل الرابع

تحول الأفراد

 

يتم تحول الأفراد بتغيير بعض السلوكيات المدرجة في الفصل السابق، السلبية منها بالعمل على تركها تماماً والإيجابية منها بتنميتها وإدامتها.

ويتم هذا التحول إما بسعي الفرد بقرارٍ ذاتي والعمل على إحداث التغيير بطباعه وتصرفاته ومواقفه وتوقعاته وأساليبه في العمل والتعامل، أو قد يتم بأن يعمل شخص آخر (أو مؤسسة) على تحويل هذا الشخص كحالة منفردة أو ضمن فريق من الأفراد الذين تربطهم روابط مشتركة، مثل الزمالة في العمل. ويتم هذا الجهد بمعرفة الشخص المراد تغييره أو بدون ذلك، كما يمكن أن يتم بموافقته أو بدون ذلك.

 

التحول الذاتي

كثيراً ما يتوصل شخصٌ ما إلى قناعة بضرورة تغيير مسلكياته وطباعه وبالتالي التخلص من القيم التي يعتبرها سلبية وتعزيز القيم الإيجابية لديه.  وهذا في العادة يتم في لحظة محددة من تاريخ هذا الشخص تشكل منعطفاً، بل قد تكون ولادة جديدة.

 

اهتداء المدير (تحول القائد بقدرات ذاتية)  

وهنا أقول "اهتداء"، مستعيراً هذه المفردة من اللغة الدينية لاستخدام علماني غير مسبوق، تعبيراً عن حالة التحول الجذري والفعلي والناجم عن قناعة ذاتية خالية من تظاهر أو نفاق.

وتبدأ الرغبة بالتحول لدى المدير من خلال اقتناعه بأن أسلوبه في إدارة المؤسسة، التي يجلس على قمة هرمها، لم يعد ملائماً ويجب تغييره. وأن تغيير الأسلوب يأتي من خلال تحول في شخصية الذين يصنعون ويمارسون هذا الأسلوب، وفي طليعتهم هو شخصياً.  بحيث يتحول من مدير إلى قائد، قائد يحمل سمات خاصة تساعد في تحول المؤسسة بأسرها إلى مجتمعٍ آخر، لا يحتاج فيه المدير أو القائد لأن يقف على مكان مرتفع ويملأ المكان صراخاً.

وهذا المدير راجي التحول لا بد وأن يتمتع بالحد الأدنى من السمات الإيجابية في شخصيته، مثل الصدق والأمانة وحب الآخرين، وهذه السمات ساعدت في خلق القناعة لديه بضرورة التحول ذاتياً على طريق تحويل المؤسسة ككل. الصدق والأمانة مع نفسه.

وتُخلق هذه القناعة بسبب وجود نتائج المؤسسة المتردية والمتراجعة، أو من خلال الاطلاع على تجارب الآخرين، أو الاستماع إلى نصيحة أو قراءة كتاب أو مقالة تدفع بهذا الاتجاه.

كما تخلق القناعة بضرورة التغيير، من خلال اقتناع مجلس الإدارة، الذي يقوم بتوجيه المدير العام، طالباً منه إدارة التحول مسبقاً بتحوله شخصياً.

كما يمكن أن تخلق نتيجة لتحول شركات شقيقة أو شركات منافسة بحيث يصبح التحول ضرورة بقاء.

وعندما نتكلم عن التحول يمكن أن يكون تحولاً إلى نمط يشبه الذي نتحدث عنه في هذا الكتاب، كما يمكن أن يكون تحولاً نحو إدارة الجودة الشاملة أو إلى المؤسسة المستنيرة [1] .

لا يمكن لمؤسسة أن تحقق التحول نحو ثقافة جديدة أو تتبنى نظاماً جديداً، دون أن يتحول مديرها.  فلا يمكن التحول إلى إدارة الجودة الشاملة، ما لم يؤمن المدير بأهمية الجودة، وبإعطاء صلاحيات أكبر لمرؤوسيه.  كما لا يمكن بناء فرق موجهة ذاتياً self directed teams ، دون أن يقتنع المدير بالتخلي عن حب السلطة ويبدأ بممارسة احترام آراء الآخرين والثقة بهم، كما لا يمكن التحول إلى الديمقراطية التنظيمية organizational democracy ما لم يؤمن بذلك مديرها.  ولذلك يبدأ التغيير في المؤسسة بالرأس، ولا يمكن تحقيق التغيير إذا كان التغيير زائفاً وتم القبول به تمشياً مع وضعٍ جديد.

عادةً ما يسبق التحول كثيرٌ من التفكير؛ تفكير يسبق القرار في التحول، وهو الذي يؤدي إلى صنع القرار، والذي قد يتضمن سؤال الشخص نفسَه " هل أنا بحاجة إلى التحول فعلاً، وإلى أي درجة؟"، وتفكيرٌ بماذا يجب أن يتغير، وكيف؟.

ولكي نضع إجابة نمطية للسؤال الأول، على الشخص الذي يود أن يتحول أن "يشخص" حالته بنفسه.  وللمساعدة على ذلك نقترح الآلية التالية:

النظر والتمحيص في الجوانب التالية من شخصيته:

1.     ممارسة السلطة : النظر فيما إذا كان يحب السلطة ويتشبث بها، وبالتالي لا يمرر صلاحيات إلى من حوله.  وكذلك النظر في "نوعية" هذه الممارسة، هل ترتقي إلى المستوى المقبول؟، هل تتسم بالحرفية؟ هل يتقبل النقد؟ هل يتراجع عن الخطأ ؟.

2.     التعامل مع الآخرين : هل هو صادق على الدوام مع الآخرين؟ هل هو لاعب فريق جيد؟ هل هو متواضع؟ هل يحب الناس؟ هل يمتلك حساً عميقاً بالإنصاف والعدل؟ هل يعتبر الآخرين تهديداً له؟ هل هو أناني ؟

3.     إدارة الوقت : هل يتعامل مع الوقت باحترام ؟.  هل يمتلك حساً دقيقاً بمرور الوقت ؟.  هل هو حريص على الالتزام بالمواعيد ؟

 

هذه القائمة ممكن أن تطول إلى أسئلة كثيرة أخرى، تحتاج للإجابة عليها مستوىً معقولاً من فهم النفس البشرية. لا يشترط أن يمتلك الشخص تدريباً خاصاً بعلم النفس.  ولكن المعرفة مفيدة دائماً.  ويُستبعد أن يكون هناك مدير وصل إلى هذا المستوى الوظيفي ومارسه لبعض الوقت، و لديه حس كافٍ جعله راغباً في التحول، ولا يملك القدرة على فهم نفسه وتشخيص حالته.  إن الاستعانة باختصاصي فكرة جيدة.  ولكن نكرر القول " النائحة الثكلى ليست كالنائحة المستأجرة ". الاعتماد على خبرة من الداخل خيرٌ من الاعتماد على مساعدة خارجية.

كما أن هناك مدخلاً آخر يساعد المدير الساعي للتحول على وضع هذه القائمة، وهو أن يسأل الشخص نفسه "ما الذي لا يعجبه في نفسه ؟".  أو "كم مرة ندم على تصرف ؟ وماذا كان سبب ندمه ؟".  و "إلى ماذا يعزى ذلك ؟." وبالتالي إعداد قائمة بالسلوكيات والعادات التي لو تغيرت، لما تصرف بطريقةٍ تجعله يندم على تصرفاته أو يخجل منها أو تُسبب ضرراً لجهده الإداري.

 

وللمساعدة على الإجابة على السؤال الثاني "ما الذي يجب أن يتغير؟" نضع فيما يلي قائمتين؛ الأولى في القيم والسلوكيات السلبية التي ينبغي التخلص منها، والثانية في القيم والسلوكيات التي ينبغي تبنيها وتعزيزها.  وترتب هذه القائمة من واقع الإجابة على الأسئلة الخاصة بالشخص نفسه، فبعض القيم السلبية قد لا يكون لها وجود لدى البعض، بينما قد تكون بعض القيم الإيجابية متوفرة لدى البعض الآخر ولا داعي للعمل على اجتثاثها في الحالة الأولى أو تنميتها في الحالة الثانية.      

 

أمثلة من القيم السلبية التي ينبغي التخلص منها:

 

§        حب السلطة

§        المزاجية

§        الأنانية

§        الكذب

§        الظلم

§        الفردية

§        المجاملة على حساب الصالح العام

§        الخوف من الآخرين (على اعتبارهم  تهديداً لوضعه الوظيفي ) 

 

أمثلة من القيم الإيجابية التي ينبغي التحلي بها:

§        النزاهة

§        الصدق

§        عمل الفريق

§        الموضوعية

§        الميل إلى الإنصاف

§        التواضع

§        احترام الآخرين

§        الثبات والاتساق

§        احترام الوقت

§        التأني

 

آلية التحول  

فيما يلي آلية مقترحة لتحقيق التحول الذاتي.  وهذا التحول قد يكون نحو ثقافة جديدة أو تبني نظام جديد أو لعب دور جديد :

1.     الالتزام الكامل بالتحول : عندما يقتنع المدير بالتغيير ينبغي أن يكون اقتناعه كاملاً، وأن يلتزم بالتغيير التزاماً كاملاً.  فلا يجوز أن يكون مقبلاً على التغيير على سبيل التجربة، أو إرضاءً لأحد، أو تحت ضغط من جهةٍ ما، أو أن يكون متردداً. 

 

2.     تفهم عميق للذات : إن الشخص الذي يريد أن يتحول ينبغي أن يفهم نفسه؛  فعليه ان يعرف أن عليه أن يتحول من ماذا إلى ماذا. عليه أن يعرف الخصائص والمفاهيم والأساليب والتوجهات والعادات والتصرفات والمبادئ التي يود أن يتخلص منها وتلك التي يريد أن يعززها وينميها ويكتسبها. 

 

3.     تحديد الصورة التي يود التحول إليها : وعليه كذلك تقرير ماذا يريد أن يصبح، بحيث يرسم صورة للشخصية التي يريد أن يصبحها.  وتحديد معالمها بشكل مفصل وواضح.

 

4.     البحث عن قدوة : إن التفكير بقدوة يسهل على المرء تخيل ماذا يريد أن يكون عليه.  وقد يكون القدوة شخصاً من الماضي وقد يكون حياً ومعروفاً، كما يمكن أن يكون مديراً أو سياسياً أو غير ذلك.  إن اختيار قدوة مناسبة يشكل حافزاً قوياً ويجعل العملية ممتعة نوعاً ما.  كما يشكل مقياساً للمقارنة يسهل قياس مقدار التحول.

 

5.     إعداد قائمة بالممارسات التي يريد تركها، وقائمة بتلك التي يريد أن يتبناها : كأن يلاحظ أحد المدراء أنه : محب للسلطة وفردي ومزاجي ويخاف من بعض مرؤوسيه كيلا يحل أحدهم مكانه، ويود أن يتخلص من ذلك كله.  كما يود أن يصبح لاعب فريق وموضوعي ويحترم الآخرين، أو على الأقل، ولو مؤقتاً، أن يتصرف على هذا النحو.  ونقول مؤقتاً، إلى أن يعتاد على ذلك فعلياً ويتطبع عليه.   

 

6.     التعلم من الممارسة : من أهم وسائل التعلم هي الممارسة، فالناس يتعلمون من الممارسة والأداء.  "فإحدى الوسائل التي تستطيع من خلالها تحويل نفسك، هي بتعلم قوالب ذهنية جديدة mindsets والتخلص من العادات القديمة، بأن تبدأ الأداء والممارسة ضمن أشكال جديدة وأن تطور مهارات وعادات جديدة " [2]   وهذا ينطبق على جميع أنواع التحول، فالكتاب الذي نقلنا عنه يعلم المدراء كيف يتحولون إلى مدربين، ويمكن القول أنه ينطبق على المدراء الذين يودون أن يتحولوا إلى قادة.  وهذا يتطلب من الشخص الذي يريد التحول أن يحدد ما يود أن يصبح عليه بالتخلص من عادات واكتساب عادات (كما في البند 5 أعلاه)  وذلك ضمن أشكال جديدة من أساليب التعامل وغير ذلك، فالتغيير شامل، يغطي الشكل والمضمون.

 

7.     حصر عدد الإخفاقات ومراقبة التقدم : بإمكان المدير أن يعد جدولاً يحصر فيه المخالفات التي يرتكبها يومياً.  بحيث يحتوي الجدول قائمة بالخصائص التي يريد أن يتخلص منها وتلك التي يريد أن يتبناها، وفي كل مرة يمارس حب السلطة مثلاً، كأن يتراجع عن صلاحية منحها لأحد مرؤوسيه بأن يطلب منه الرجوع إليه، فيضع علامة.  وفي كل مرة يتعامل مع شخص ولا يظهر قدراً مرضياً من الاحترام يقوم بوضع إشارة أيضاً. وفي نهاية اليوم يجمع عدد الإشارات، وفي نهاية الأسبوع يجمع عدد الإشارات التي تحققت كل يوم، الأمر الذي يعطي دلالة على وجود تحسن أو غير ذلك.

 

8.     طلب مساعدة خارجية : في حال عدم حدوث تقدم، قد يكون من المفيد الاستعانة بمساعدة خارجية، الذي قد يكون مستشاراً محترفاً، كما سنأتي على ذلك بالتفصيل لاحقاً، كما يمكن أن يكون زميل أو صديق.

 

9.     الثقة بالتحول [3] : من الصعب أن يكون التحول من الصفر، فالمدير يحوي الكثير من العناصر المطلوب التحول إليها، ولكن يتوجب إظهارها وشحذها وتنميتها وتعزيزها بقليلٍ من الجهد.  وبالتالي يجب أن لا ينظر إلى التحول على أنه أمرٌ صعبٌ أو يتطلب مجهوداً كبيراً،  ووقتاً طويلاً.

 

أدوات التحول

بعد أن يحزم المدير رأيه في التحول، ويرسم لنفسه صورةً للشخص الذي يريد أن يكونه، ينبغي له اختيار عدد من الأدوات التي تساعد على إتمام عملية التحول. وهذه الأدوات قد تفيد في بعض الحالات أكثر من غيرها. وفيما يلي نستعرض بعض هذه الأدوات المحتملة:

  

        القراءة : ينبغي للمدير الذي يود أن يحقق التحول الشخصي (في أي اتجاه)  أن يسلح نفسه بالمعرفة، من خلال القراءة.  والمعرفة عموماً سلاح مفيد، و لا تقتصر إفادتها على مجالها المحدد، وإنما توسع الأفق وتشحذ قدرات الفرد وتنمق لغته وتحسن طريقته في التفكير.  كما أن القراءة عن الآخرين وتجاربهم تخلق نماذج في مخيلة القارئ يود أن يكتسب بعض جوانبها وسماتها كما يود أن لا يرى بعض الجوانب الأخرى في نفسه.

 

        التعلم : بالمشاركة في دورات أو العودة إلى مقاعد الدراسة من خلال دراسة مسائية أو بالمراسلة. وهذا أمرٌ متاح في معظم المجتمعات، حيث توجد جامعات تقدم خدمات للمجتمع على شكل دورات تعمق معارف المشاركين بموضوعات محددة وفق منهاج معد مسبقاً. وغالباً ما تكون هذه الموضوعات ليست جديدة تماماً على المشاركين في الدورة، فقد يكونون قد درسوها في الجامعة قبل سنين. وتأتي الدورة لتنعش هذه المعلومات وتضعها في قالب براجماتي. 

كما يمكن لمن فاتهم قطار التعليم وأدركوا أهميته أو تغيرت ظروفهم، أن ينضموا إلى دراسة مسائية. والعودة إلى مقاعد الدراسة لمن يمارس الإدارة في الميدان لها نكهة خاصة.  فهو يستطيع إصدار أحكام على العلوم النظرية التي يتلقاها، بحيث يميز ما يمكن تطبيقه عن ما هو نظري بحت. وحقيقةً أن حلقات الدرس هذه ممكن أن تكون مفيدة للمحاضرين أيضاً إذا ما أعطوا المجال للنقاش واتسع صدرهم للاعتراض. كما يمكن اللجوء إلى التعلم بالمراسلة أو بوسائل إلكترونية حديثة.

  

        الرقابة الذاتية : بحيث يتمرس الفرد على رقابة نفسه بنفسه،  بحيث يحدد لنفسه عدداً من "الوصايا"، كما في الوصايا العشر.. لا تصرخ.. لا تقاطع الآخرين.. احترم آراء الغير.. تقبل النقد.. اعترف بالخطأ . . لا تكابر.. وإلى ما غير ذلك.  وهذه الممارسات ذات صلة بالقيم الواردة في القائمة التي تحدثنا عنها سابقاً.  بحيث تخدم في ترسيخ الإيجابية منها ونبذ السلبية.

 

        المراجعة الذاتية : وتتم المراجعة الذاتية من خلال مراجعة نشاط اليوم بكامله في نهايته، ربما قبل النوم أو أثناء طريق العودة إلى البيت من العمل.  أو ربما في صباح اليوم التالي قبل الانطلاق إلى العمل.  بحيث يتم استعراض كافة نشاطات اليوم المكونة من أفعال وأقوال.  مع التركيز على الأسلوب والطريقة التي تم فيها إنجاز الأمور المختلفة.  من أجل تقييم علمي ودقيق ينبغي للمرء أن يضع مقياساً لأدائه بحيث يتم التمييز بين ما هو مقبول وما هو غير مقبول.  فيتم ملاحظة كل ما هو غير مقبول، بحيث يعمل على تجنبه في الأيام التالية. بهذه الطريقة يمكن أن تضيق دائرة الممارسات غير المقبولة تدريجياً، إلى أن يرضى المدير الساعي للتغيير عن نفسه. والفرق بين الرقابة الذاتية والمراجعة الذاتية هو أن الأولى عملية مستمرة، بينما الثانية عبارة عن مراجعة كشف من الأعمال في نهاية فترةٍ معينة.

 

        الاقتداء بآخرين : تلعب القدوة دوراً مهماً في التغيير. وبإمكان الشخص الذي يبغي التحول أن يدرس شخصيات بعض القادة التاريخيين، أو المعاصرين أو حتى مدراء عمل معهم، ويعمل على إكساب نفسه بعض السمات الإيجابية التي تعجبه. 

 

وهذا نهج يتبعه بعض الشباب صغار السن شديدو الطموح والذين يحبون القراءة بصورةٍ فطرية.  وقد يذهب إلى أبعاد خطيرة تصل إلى محاولة تقمص الشخصية.  ولكن هذا لا يعني أن هذا الأسلوب سطحي وغير مفيد.  إن هذا النهج يحدد اتجاهات في السلوك الإنساني يود الفرد اكتسابها، ويستمتع في جهده ذلك.  ويبدو أن هناك سلبية نسبية في هذا النهج؛ فقد يعتقد البعض أن شخصية القدوة قد تشكل سقفاً في التحول.  وقد يكون هذا صحيحاً لبعض الوقت، ولكن سرعان ما يتخطى الشخص المقتدي شخصية قدوته بمرور الزمن واكتساب المعارف والخبرات.

عندما يقرأ شاب عن عمر بن الخطاب وحرصه في تطبيق العدالة بين الناس، فقد يخلق ذلك حافزاً لديه لأن يطبق العدل في منطقة صلاحياته. وقد يحصل الأمر نفسه عندما يسمع عن مثابرة وتوخي الدقة التي كان ينتهجهما الإمام البخاري في جمع الحديث، أو قدرة جمال عبد الناصر الخطابية، أو كيفية تعامل مديره مع الاجتماعات، أو التعامل مع الوقت، أو قدراته التفاوضية. هذا التميز في بعض القدرات، سواء كان لشخصيات تاريخية أو لأشخاص يعمل معهم، يخلق إعجاباً لدى الشباب الطموح وذلك يخلق بدوره حافزاً وموجهاً للتغير.

   

        الحديث مع الآخرين: يعتبر حسن الاستماع فضيلة ذات فائدة عظيمة. الأمر الذي يجعل محادثة الآخرين والإصغاء الجيد لهم وسيلة تعلم مهمة جداً،  يمكن أن تساعد الشخص الذي يبغي التحول في جهده لتحقيق هذه الغاية.  وهناك أشخاص يتقنون هذه الأحاديث، التي يستفيدون منها بإغناء معارفهم ومهاراتهم، بحيث يديرونها على طريقة الصحفيين، بتوجيه أسئلة وإدارة الحديث بمنتهى اللباقة.  يجب اعتبار مقابلة شخص صاحب خبرة فرصةٍ لتلقي المعرفة، بحيث يأخذ منه ما يفيده ويدع غير ذلك.  "الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.." [4]  

 

        الاستماع : على الرغم من أن الاستماع يعتبر فضيلة وقيمة إيجابية، إلا أننا ندرجها هنا كأداة للتحول. إن تعود الاستماع يعطي الفرد القدرة على التعلم من الآخرين، ومراقبة أدائهم بشكلٍ أفضل،  كما يعطيه الفرصة لتمييز الخطأ من الصواب في أساليب الآخرين في الحديث ووسائلهم في إيصال المعلومة والفكرة.  والأحاديث المستمع إليها غالباً ما تتضمن ما يمكن أن يكون معلومات جديدة ومفيدة، وبالتالي يمكن مراكمة معلومات هامة من خلال الاستماع.  ولزيادة الإفادة من هذه الوسيلة يمكن اللجوء إلى كتابة ملاحظات لضمان عدم النسيان.  وقد كان الكاتب الروسي الكبير مكسيم جوركي في صباه يعتمد هذا الأسلوب، وفي المجلد الثالث من مذكراته المسماه "جامعاتي" يتضح للقارئ لدى الانتهاء من قراءة الكتاب أنه لم يذهب إلى جامعة قط، ولكنه كان يتعامل مع بعض الذين كان يحتك بهم وكأنهم أساتذة، يلتقط الكلمات والعبارات منهم ويدونها في دفتره.  وكان يسميها beatitudes   أي عبارات جميلة.

إن الاستماع  يفيد جميع الفئات في المؤسسة، فمن المتوقع أن الفائدة تحصل لذي المعرفة الأقل، ولكن يمكن أن يتعلم الأكثر ثقافة وعلماً من الأقل معرفة وثقافة وعلم.  إن الاستماع إلى العمال على سبيل المثال، يفيد المدراء فائدةً عظيمة.  كما يمكن أن ينشأ عن ذلك ابتكار وإبداع منتج وفعال؛ ويسمى "إبداع البراءة"  - creativity of innocence ،   أي إبداع الغشيم.  كما قد تتضمن أحاديثهم تقييمات غير منحازه ولا منافقة، وبالتالي صادقة ودقيقة ومهمة، كما قد تحتوي على ملاحظات تنبه المدير إلى ممارسات غير مقبولة.

 

      ممارسة رياضة ذهنية: من أجل إحداث التغيير يجب التوقف عن عادات وتجنب ممارسات والتخلي عن تصرفات اعتاد المرء عليها لسنين طويلة.  وفي الغالب ما يكون على قناعة بأن هذه العادات والممارسات والتصرفات عادية وسليمة، ولم يدرك عكس ذلك إلا بعد أن شرع في عملية التحول الذاتي، إما باستنتاج ذاتي أو بمساعدة خارجية. 

 

وللتخلص من المسلكيات، التي قد تكون ألفاظاً أو حركات أو ردود فعل أو أساليب، يحتاج إلى جهدٍ شديد، وآلية ذهنية تذكره في اللحظة المناسبة تجنب المسلكية التي يفترض أن يمارسها في هذه المناسبة وهذا الموقف. وهذا يتطلب يقظة دائمة وحضوراً ذهنياً مستمراً.  الأمر الذي قد يجعل الشخص يلجأ إلى نوعٍ من الرياضة الذهنية لضمان ذلك.  الوضع يشبه الإقلاع عن التدخين؛ فهناك إغراء العادة الذي يدفع الشخص لممارسة العادة التي اعتاد عليها، وهذا يوازن بإرادة حديدية تتولد من الرغبة الشديدة بالإقلاع وتذكر باستمرار بسلبيات هذه العادة.  قد ينفع تكرار عبارة " لن أفعل كذا..".  الأمر الذي ينفع برفع الدافع للتغيير.

 

     الاستعانة بمستشار: هذا أسلوبٌ دارجٌ جداً في الغرب، حيث تُطلب مساعدة احد الاستشاريين أثناء مراحل البناء أو إعادة البناء، حيث يحدث التغيير بكثافة عالية، فيحتاج الإداريون الى رأي محترف باستمرار. وقد يستخدم المستشار للمؤسسة بشكلٍ عام، كما يمكن أن يستخدم لمساعدة أحد الإداريين تخطي المرحلة بإنجاز عملية التحول الذاتي بنجاح.  وتتم المساعدة على شكل جلسات نقاشية، يستعرض فيها نشاطات هذا الإداري اليومية وأفكاره المتعلقة بأي تغييرات وإعادة تنظيم ينوي طرحها أو مطروحة عليه من قبل مساعديه أو إدارته العليا، ويأتي دور الاستشاري بإبداء رأيه بشكلٍ عام بما يُطرح والنظر في مدى اتساق هذه الأفكار مع بعضها البعض ومدى اتساقها مع التوجه العام للمؤسسة.  وهذا يعني ببساطة مزاوجة خبرات المدير العملية ومعارف المستشار النظرية، وهذا لا يعيب المدير، بل إن كل شخص بحاجة الى شخصٍ آخر ذو دراية، ولو عامة ونظرية، يستمع إليه ويملك -حسب إملاءات وصفه الوظيفي- القدرة على إعطاء تقييم سلبي لما سمع بدون حرج.      

 

-  تقبل النقد : يعتبر تقبل النقد فضيلة هامة جداً.  وهو يزود الفرد بمرآة يرى بها نفسه كما يراه الآخرون، وبالتالي يستطيع أن "يعمل على نفسه" بتغيير بعض السلوكيات وأساليب التعامل والتوجهات، بحيث يجري تحول على شخصيته نحو الأفضل.  إن الاستماع إلى النقد بطريقة تشجع موجة النقد على المضي بطرح نقده دون حرج تزود الفرد بأداة إصلاح فعالة جداً، فإذا استطاع أن يستفيد منها، فإنه ماضٍ على الطريق الصحيح.  إن ما يعطل جهد النقاد هو الأسلوب السيء؛ والذي قد ينطوي على نبرة هازئة أو جارحة بشكلٍ أو بآخر. أو يساء توقيت توجيه النقد، أو أن يوجه بحضور أشخاص يتسبب وجودهم بحرج لمتلقي النقد.  كما يعطل جهد النقاد وجود المنافقين الذين يحسنون السيء ويجملون القبيح، وربما اعتبروا النقاد حساداً يجب عدم الاستماع إليهم.   إن المدير الذي يريد التحول والارتقاء بشخصيته وأسلوبه ونمط إدارته إلى مستويات أعلى، عليه أن يشجع النقد البناء الذي يعمل ضمن الأصول، كما عليه أن يستفيد من هذا النقد.   

 

تحول الأفراد في المؤسسة

·        التحول بقدرات ذاتية : كثيراً ما يتوصل بعض العاملين في الإدارة الوسطى أو الإدارة العليا، غير المدير العام، إلى قناعة بضرورة التحول إلى حالة أفضل. وهذا التحول له آلياته التي لا تختلف عن تحول المدير العام إلا بشئٍ واحد وهو وجود مدير عام مؤيد للتحول أو لا يأبه به.  وفي الحالة الأولى فهناك مساعدة خارجية، وهذا ما سنتطرق له تحت العنوان التالي.  وفي الحالة الثانية لا يوجد دعم رسمي لهذا التحول، وبالتالي فإن الاعتماد على الذات يصل إلى حده الأقصى.  إن الآليات لا تختلف عن تلك المستخدمة من قبل المدير الراغب بالتحول كثيراً.  إن الاختلاف يكمن باختلاف أهمية الموقع والصلاحيات والإمكانيات المتاحة.  كما أن الموظف لديه قدوة في المدير العام، يتاح لهذا الموظف التعلم من ممارساته الإيجابية والاقتداء بها، والممارسات السلبية وتجنبها.  ولكن عليه تمييز الممارسات الإيجابية من الممارسات السلبية، وهذا ممكن لأنه يتحمل أوزار هذه الممارسات كموظف في المؤسسة.   

 

·        التحول بمساعدة خارجية : تحول الافراد يتضمن مساعدة الآخرين الكشف عن ما يحبون ومحاكمة تركيبهم الشخصي ومعتقداتهم وفرضياتهم. [5] وذلك بمساعدة خارجية أي بمساعدة شخص آخر وليس بقدرات ذاتية.  وهناك ثلاث نقاط يجب مراعاتها فيما يتعلق بالمساعدة على التحول :

1. يجب أن يتخذ الأشخاص المشاركين في عملية التحول قرارهم بالمشاركة في الجهد الهادف إلى التحول بحرية ورغبة نابعة من ذاتهم.

2. من المهم أن يُفهم أن النفس البشرية ليست شيئاً جامداً، إنما هي شيء مائع قابل للتحول.

3. بإمكان الأفراد أن يتحولوا من خلال إعادة النظر بموقفهم من أنفسهم وتغيير منظورهم وآرائهم وفرضياتهم. [6]  

 

وهذه المساعدة الخارجية غالباً ما تكون من إدارة المؤسسة.  فحسب التسلسل المنطقي فإن تحول المدير العام يتلوه تحول في الإدارة العليا، وهذا التحول قد يشمل تغييرات جذرية بخروج البعض (تساقطهم أثناء عملية التحول)، ثم يصبح التحول جهداً منهجياً منظماً لتحويل بقية أسرة المؤسسة، وهنا يتم العمل على تحويل أفراد وجماعات نحو ثقافة جديدة تحدد الإدارة العليا معالمها.

وهنا على المدير العام أن يلعب دوراً مركزياً في عملية التحول، بل يجب أن يقودها ويكون المايسترو والمنظر والمعلم في معركة التحول التي تخوضها المؤسسة.  وينصح بعدم تعيين " مدير مشروع " [7] كما يفعل الكثيرون عند السعي للحصول على الآيزو (التي يفترض أن تكون عملية تحول شاملة)  أو في التحول إلى إدارة الجودة الشاملة وغير ذلك، حيث تعمد الإدارة إلى تعيين مدير مشروع يتابع تقدم عملية التحول والتطبيق، وعادةً ما يتم اختياره من وسط الإدارة العليا.  وهذا النهج غير فعال مقارنةً مع خيار قيادة المدير العام لعملية التحول، فتأثيره أقوى والتحول على يديه يكون أعمق وأسرع.

كما ينصح بعدم تشكيل لجان في مستويات إدارية مختلفة، فهذا يخلق إدارة موازية وتخلق تحولاً غير مدمج مع جسم المؤسسة الأساسي.

 

ويتم تحويل العاملين في المؤسسة، مستهدفين كأفراد من خلال الخطوات التالية :

1.     إقناع الموظف بأهمية التحول.  أهمية التحول له شخصياً وللمؤسسة.  وما في ذلك من ضمان لبقاء المؤسسة وازدهارها، ولتعزيز دوره فيها وتحسن مكانته الوظيفية ودخله الناجم عن تعاظم دوره وتحسن الوضع المالي للمؤسسة.

2.     مساعدة الفرد على فهم نفسه، والطلب منه إعداد قائمة بالخصائص التي يود التخلص منها وتلك التي يود أن يتمتع بها، بحيث تراجع هذه القائمة مع المدير، بسريةٍ تامة طبعاً، نقطة نقطة، حيث يتم تعديل القائمة بالإضافة والحذف.  ويمكن هنا للمدير أن يعد قائمة عامة، فيستعرضها مع الموظف بنداً بنداً، سائلاً بعض الأسئلة، ليتأكد من وجود هذه الخاصية من عدمه.

وإعداد القائمة يعني تحديد الأولويات التي ينبغي التركيز عليها.  فالإنسان غابة من المشاعر والمعتقدات والمبادئ والقيم والفاهيم والعادات والآمال والتوقعات والسلوكيات المتأثرة بتقاليد وموروثات وثقافات وقيم دينية ووطنية وقبلية.  وبالتالي فإن الاختيار يبدو صعباً للغاية، ولا يمكن العمل على تغيير عدد كبير من الخصائص، فيصعب ملاحظة التغيير.  وبالتالي يجب إعداد قائمة قصيرة.  ويتم الإختيار بناءً على تأثير هذه الخصائص على الأداء العام للمؤسسة.  وبالتالي فإن سلوكية معينة قد تعلو القائمة في بعض المؤسسات وقد لا تكون كذلك في مؤسسة أخرى. 

 

3.     توجيه الموظف بكيفية التخلص من كل خاصية سيئة وكيفية تبني الخصائص الإيجابية، بما في ذلك القراءة والمشاركة في جلسات جماعية تنظمها المؤسسة، مثل ورشة عمل تشجع على العمل الجماعي.

4.     تشجيع الموظف على الاقتداء بنماذج بشرية متمسكة بالقيم وناجحة :  وهذا يجري في جلسات تناقش فيها شخصيات معروفة وكيف كان فلان متواضعاً على عظمته، وكيف كان فلان يؤمن بالعمل الجماعي ويحترم الآخرين ويحترم آراءهم وهكذا.. بحيث يتولد لديه إعجاب في بعض القادة والمدراء، كما تتولد لديه الرغبة في الاقتداء بهم، وهذا يخلق دافعاً عظيماً.  

5.     متابعة التقدم : تتم متابعة تقدم عملية التغيير بصورةٍ ذاتية وخارجية تتضمن مقابلات اسبوعية وشهرية بين المدير والموظف.  وقد تكلمنا عن المتابعة من خلال إعداد قائمة بالمخالفات لملاحظة مدى التقدم في التحول.

6.     تشجيع الموظف على مساعدة الآخرين في التخلص من قيمهم السلبية وتبني قيم إيجابية.  الأمر الذي يعطيه صبغة يصعب عليه التراجع عنها، إلى أن تصبح جزءاً من تكوينه المسلكي.

 

دور القدوة في التحول

تلعب القدوة الحسنة دوراً مهماً في إجراء تغيير في شخصيات الأفراد  في المؤسسات الصناعية والتجارية والخدمية.  كما تساعد على نشر ثقافة إيجابية وقيم تعزز أداء المؤسسة نحو فاعلية أعلى وجودة أفضل.

والقدوة تتطلب وجود شخص قدوة يلعب هذا الدور،  بشكلٍ طبيعي بحيث يعطي مثالاً لا يحتاج إلى كثيرٍ من البلاغة لشرحه، كما لا يحتاج إلى قوة إقناع لتسويقه.  كل ما تتطلبه شخص يتصرف بصورةٍ صحيحة مهنياً وسلوكياً بحيث يرسم للآخرين من حوله مساراً يسلكونه عن رضى وقناعة.

ولا يشترط أن يكون هذا الشخص مديراً عاماً لكي يكون قدوة، فبإمكان أفراد الإدارة الوسطى أن يلعبوا هذا الدور في محيطهم وخارجه.

والقدوة (الأسوة) أمر ليس مستغرباً على إرثنا، فالرسول، عليه الصلاة والسلام، كان طوال حياته قدوة نموذجية لصحابته، وبهذا تعلموا منه ما جعلهم يغيرون وجه التاريخ.

ويجب أن لا يعتقد أن القدوة تتطلب قيادياً من الطراز الأول لكي يكونها، ولكن بإمكان أي شخص أن يكون قدوة إذا رغب في ذلك. ولكن يجب أن يحقق تحولاً في ذاته لكي يستطيع أن يلعب هذا الدور.  كما يجب أن يروض نفسه ويلتزم بعددٍ من المسلكيات والقيم والمبادئ والعادات المهنية التي تجعل منه قائداً أفضل، ويحب أن يراه الآخرون بها على الدوام وفي جميع الظروف والمواقف.

بالإمكان البدء بإعداد قائمة بالقيم الإيجابية التي ينبغي التمسك بها والقيم السلبية التي ينبغي الابتعاد عنها، قد يبدو أن أمر القائمة غير ضروري، قد يكون ذلك صحيحاً فيما يتعلق بالقيم الأساسية، ولكن إعداد قائمة مفيد في جميع الأحوال.  كذلك تحديد بعض المبادئ والعادات المفيدة، وهذه العادات قد تمتد إلى جوانب قد تبدو ثانوية مثل طريقة الكلام والمشي.  وكذلك بعض المسلكيات المهنية مثل أُسلوب إدارة الاجتماعات و كتابة التقارير وغير ذلك.

ينبغي الحفاظ على حالة من الثبات في التعاطي بهذه القيم والمسلكيات، بحيث لا يبدو الشخص القدوة متناقضاً، ويظهر بحالٍ آخر في ظروفٍ مختلفة.  كثيرٌ من الناس يتغيرون عند الغضب، أو عند العمل تحت الضغط، أو عند الإحساس بالإرهاق.  إن التصرف المتناقض قد يسبب صدمة للمقتدي، الأمر الذي قد يهدم ما تم بناؤه في شهور.

فينبغي للقدوة أن يبتعد عن المزاجية ولا يمارسها على الإطلاق. ولا يجوز أن يتصرف بصورةٍ مختلفةٍ حسب موقفه من الشخص أو القضية أو حالته النفسية.  في الحقيقة يجب أن تكون المزاجية في طليعة المسلكيات التي ينبغي طلاقها بغير رجعة، وهذا يتطلب ترويض النفس على ذلك، والأمر ليس سهلاً على كثيرٍ من الناس.   

تعتبر القدوة أداة إدارية فعالة، وتمتاز بأنها قليلة التكلفة. فلا وقت ولا جهد ولا مالاً ينفق لإحداث تغيير، إنها تعمل بشكلٍ موازٍ لنشاط المؤسسة الأساسي، فلا داعي لإيقاف العمل أو أي نوع من الإعداد. وتكون فعاليتها أكبر لدى أولئك الذين يملكون هذه القيم والعادات في الأصل ويتصرفون بشكلٍ طبيعي. وكما قلنا بأن الذين لا يظهرون هذه القيم ولا يمارسون هذه العادات الإيجابية، بإمكانهم تصنعها إلى أن يعتادوا عليها، وحتى لو لم يؤمنوا بها تماماً، فقد ينجحوا في تنشئة جيل مقتنع.

ومن أجل أن يكون أكثر إقناعاً، يجب أن لا يتردد القدوة المفترض في الاعتذار عند تناقضه مع ما ينبغي الظهور عليه.

وتستخدم القدوة للقضاء على ممارسات سلبية، مثل التأخر في الحضور إلى العمل.  كما تستخدم للاعتياد على عادة محددة تود الإدارة تشجيع العاملين عليها، مثل التقيد باللباس الموحد، وذلك من خلال الالتزام الكامل للقدوة بهذه الممارسات.

من بين القيم الهامة التي ينبغي إشاعتها -على سبيل المثال- التعاطي الإيجابي مع الوقت.  وهذا يتطلب من المدير القدوة احترام الوقت على الدوام، بالحضور إلى الاجتماعات في الوقت، وعدم التكلم طويلاً على الهاتف، وعدم إجراء أحاديث مكررة مضيعة للوقت، أو كتابة تقارير طويلة.

ومن بين العادات الحميدة، تقبل النقد والتراجع عن الخطأ. وهذا يتطلب من القدوة ممارسة هذه العادة بدون حرج وبشجاعة عالية ليشجع الآخرين على استسهال التراجع عن الخطأ وتقبل النقد، بل و ممارسة النقد الذاتي.

من بين القناعات المهمة التي تخدم أهداف المؤسسة، اقتناع موظفيها بأهمية رضى الزبون؛ بحيث يحرص العاملون على تحقيق هذه النتيجة على الدوام وفي جميع الظروف.

من بين الممارسات الحسنة، اعتياد عمل الفريق.  وهذا يأتي من خلال تحول المدير إلى لاعب فريق جيد، يتقن الاستماع إلى آراء الآخرين، والتكامل مع أعضاء الفريق، وممارسة العمل المؤسسي وعدم التعامل بعليائية.

ومن أجل نتائج مستدامة ينبغي أن لا يكون هناك قدوات غير متسقة مع بعضها.  تطرح نماذج متناقضة تخلق حالة تشوش لدى المتلقين من العاملين في المؤسسة، فلا ينجم عن ذلك ثقافة مؤسسة متماسكة تساعدها على تحقيق أهدافها على المديين القريب والبعيد.               

 

دور القدوة الجماعية في التحول

تتشكل القدوة الجماعية من قبل مجموعةٍ من البشر، تتفشى ثقافة متجانسة في أوساطها، كالإدارة العليا لشركة، أو مجموعة شركاء في مؤسسة، بحيث تصبح نموذجاً يشجع أفراداً وجماعات آخرين على تبني الثقافة نفسها.  وتكون هذه القدوة حسنة في حال كون هذه الثقافة إيجابية.  كما قد تكون القدوة سيئة في حال كون الثقافة السائدة في أوساط الجماعة المقتدى بهم  سلبية.

لقد تحدثنا عن التسلسل المنطقي في التحول، حيث ذكرنا أن التحول غالباً ما يبدأ بالمدير العام، أو برئيس مجلس الإدارة، الذي ربما يكون قد توصل إلى ضرورة التحول، نتيجة لواقع سيء يعيه أكثر من غيره، أو من خلال توقع تحول إلى واقعٍ غير مقبول، كفقدان السوق مثلاً. ثم يأتي دور الإدارة العليا، محدودة العدد في الغالب، والتي باستمالتها لصالح التغيير، تصبح المؤسسة لديها برنامج تغييري ممنهج. ولإنجاح هذا الجهد يجب أن تلعب الإدارة العليا بكامل أعضائها دور القدوة والنموذج، بالامتناع عن كل ما يُنهى عنه وممارسة كل ما هو مطلوب بشكل صارم، وهذه أداة مؤثرة للغاية. من الأمثلة على القدوة الجماعية وجود إدارة عليا، عدد من الشركاء في شركة ويديرونها معاً، فإذا كانوا موحدين فلن تجد شللية في الشركة.

إن عملية التغيير عملية مستمرة ومتواصلة ويجب أن تتسم بالاتساق التام.  كما يجب أن تكون وفق خطةٍ مدروسة، وتضمن أن تربط الغالبية العظمى من العاملين مصلحياً بعملية التحول، التي ستجلب الخير للجميع. يبقى الإقناع الوسيلة الأنجع في التحول إلا أن التحول القسري بصوره النسبية يبقى وارداً، وكذلك البتر.. وخصوصاً في أوساط الإدارة العليا، حيث تقف المصالح المكتسبة حائلاً دون تحول أصحابها، وحيث يتواجد بعض المدراء الذين يسعون إلى إبقاء المؤسسة على مقاسهم. " في كل مؤسسة يوجد مجموعة من الأشخاص الذين لن يتقبلوا التغيير مطلقاً، كيفما كانت طريقة عرض الدعوة للتغيير، إما لأن تكوينهم الشخصي يرفض التغيير أو لأنهم متمترسون بقوة عاطفياً أو فكرياً أو سياسياً. وحسب مجريات الأمور لا يمكن تعديل مواقفهم، هؤلاء يجب التخلص منهم " [8] .

 




[1]  قادة لا مدراء، المؤسسة المستنيرة للمؤلف.

[2] Masterful Coaching, Robert Hargrave.

[3] Masterful Coaching, Robert Hargrave. هذه النقاط الخمسة (وهي 1و2و4و6و9)   يضعها الكاتب كآلية لتحول المدير إلى مدرب، وهو دور ينبغي للمدراء لعبه أثناء عملية التغيير لتحقيق التغيير. وقد اقتبسناها لتشابه حالات التحول.

[4]  سورة الزمر 18.

[5] Masterful Coaching

[6] نفس المصدر

[7] Why TQM Fails.

[8] Winning , Jack Welch.

 
 

 


تعليقات

1  
الاسمأيمن سعد 
التعليقجميل جدا  
   

الإسم   
البريد الإليكتروني (ليس للنشر)    
التعليق  
هل توافق على الانضمام لمجموعتنا البريدية؟
  أرسل

 

Counter