مسلسل شيخ العرب همام والقراءة الصحيحة للتاريخ
 
 


لا يزال المسلسل التلفزيوني " شيخ العرب همام " يعرض على شاشات عدد كبير من الفضائيات العربية، وكان قد عرض للمرة الأولى في رمضان الفائت.  وهو لا شك عمل جاد ورصين ولكنه لا يطرح ظاهرة ظهور الشيخ همام كحاكم سعى إلى توسيع رقعة نفوذه والإستقلال بما لديه بالسياق التاريخي الصحيح، على الأقل لم يبرز ذلك بوضوح.
لم تكن هذه الظاهرة والحركة التي نجمت عنها منعزلتين عن محيطهما الإقليمي والعالمي، ولم تكونا حالة مصرية صرف، كما طرحها المسلسل.
ففي القرن الثامن عشر خاضت الدولة العثمانية اربعة حروب مع روسيا القيصرية؛ كان أطولها حرب القرم ( 1768 – 1774 )، فإنشغلت عن ولاياتها العربية.  فنشأ فراغ سياسي عمل البعض على ملئه.  ومن بين هؤلاء كان شيخ العرب همام، في الصعيد، وظاهر العمر في شمال فلسطين وشمال شرق الأردن جنوب لبنان.  وعلى الرغم من إنشغال الدولة العثمانية في حربها، وعلى الرغم من ضعفها وعجزها الذي لا علاقة له بالحرب، بل هو حالة دخلت بها منذ أكثر من خمسين سنة، على الرغم من كل ذلك عملت على إجهاض الحركتين الإستقلاليتين.  بإستخدام المماليك في مصر، وبإستخدام قبائل عربية في الشام تحت قيادة والي دمشق.
لو نجح الشيخ همام بإقامة دولة في مصر لوصل نابليون بعد عدة عقود ليجد دولة قوية عسكرياً وسياسياً وإقتصادياً تقف في وجه طموحاته.  ولما وجد بلد يحكمه والي ضعيف وطغمة من أمراء المماليك الذين حكموا البلاد بعسفهم وغبائهم وشعب مثقل.
لو نجح الظاهر عمر في فلسطين لكانت فرصة نجاح المشروع الصهيوني أقل بكثير.  ولما تجرأ أحد أن يصف فلسطين على أنها أرض بلا شعب، بل أرض بشعب له دولة.
فلو توصلت الدولة العثمانية لصيغة تحالف مع هذين القائدين الطموحين لغيرت تاريخ المنطقة، وكسبت حليفين قويين.
   لقد كان شيخ العرب همام شخصية فذة، لم يعطها الممثل القدير الفخراني، على أداءه الرائع، حقها.  فقد نجح بتوحيد قبائل الصعيد، ونجح بتحسين الإقتصاد من خلال زيادة الرقعة الزراعية، وخصوصاً زراعة قصب السكر.  لقد كانت مصر في زمنه تصدر السكر، المصنوع في نجع حمادي، في دولة الشيخ همام.  في الوقت الذي كانت القرى والمزارع تحرق في الوجه البحري على أيدي المماليك لعجز أصحابها عن دفع ما ترتب عليهم من ضرائب إضافية.  كما نجح في بناء جيش حديث، أدخل في تسليحه الأسلحة النارية الفردية بعد إختراعها بأربعمائة عام.
مات الشيخ همام كمداً ، ولم يعد لعاصمته برشوط ذكر، كما لم يفلح أبناءه من تكرار التجربة.
إلا أنه ترك ذكراً طيباً، فقد وصفه المؤرخ المعاصر الجبرتي على أنه " الجناب الأجل والكهف الأظل الجليل المعظم والملاذ المفخم الأصيلي الملكي ملجأ الفقراء ومحط رحال الفضلاء والكبراء شيخ العرب الأمير شرف الدولة همام بن يوسف بن أحمد بن محمد بن همام بن صبيح بن سيبيه الهواري، عظيم بلاد الصعيد ومن كان خيره وبره يعم القريب والبعيد..

 
 

 


تعليقات

لا يوجد تعليقات

الإسم   
البريد الإليكتروني (ليس للنشر)    
التعليق  
هل توافق على الانضمام لمجموعتنا البريدية؟
  أرسل

 

Counter