الحارث بن جبلة، الملك الغساني
 
 


نبغ الملك العربي الحارث بن جبلة الغساني في القرن السادس الميلادي.  الذي كان متحالفاً مع الرومان وشارك في جميع حروبهم.  وقد تم تتويجه ملكاً من قبل الإمبراطور الروماني جستنيان سنة 530 م، وذلك بعد إسدائه خدمتين كبيرتين لبيزنطة: الأولى انتقامه لمقتل الحارث الكندي، الذي كان هوالآخر حليفاً لبيزنطة، وعدواً للمناذرة، الذين قتلوه.  أما الخدمة الثانية فقد كانت مشاركته في قمع عصيان السامرة.  ولم يكن لقب الملك يعطى جزافاً. وخصوصاً في زمن جستنيان، واضع القوانين والمشرع الكبير. كان الحارث يلقب " فيلارخ "، وكذلك كان يلقب عددٌ آخر من مشايخ القبائل العربية التي تقطن الشام.  فكان يُراد باللقب الجديد تمييز الحارث وتوحيد الجهود تحت قيادته. 
في العام 531 م تجددت الحرب بين الفر س والروم فإشترك فيها الملك الحارث.  حيث تقدمت القوات الفارسية فاجتازت الفرات، وعسكرت على ضفته الغربية وتخندقت هناك.  فسارع القائد الروماني الشهير بليزاريوس وجمع قواته، وقدم الحارث مع القوات العربية.  ونشروا قواتهم في مواجهة الفرس.  فلما بدأ القتال انقضت خيرة الوحدات الفارسية على جيش الحارث،  فزحزحوه من مكانه، مما تسبب في فرار بعض الجنود.  الأمر الذي مكن القوات الفارسية من الإلتفاف حول القوات البزنطية.  مما تسبب في خسائر كبيرة بالأرواح.  بعد المعركة عُزل بليزاريوس، واتهم المؤرخ بروكوبيوس، صديق بليزاريوس والذي كان يرافقه،  الحارث بالخيانة،  حيث قال أنه انسحب لكشف ميسرة الجيش الروماني، علماً بأن مؤرخاً  معاصراً آخر اسمه ملالة أكد أن معظم العرب صمدوا حول قائدهم الذي حارب ببسالة.  مشيراً الى أن جزءاً من القوات العربية فرت من المعركة نتيجةً لفرار قوات أخرى، قليلة التدريب، كانت تحارب مع الجيش الروماني.
غير هذا الاتهام مسار حياة الحارث، الذي كان مستبعداً عنه هذا السلوك، فقد كان مسيحياً مؤمناً صاحب عقيدة، حيث كان من ألقابه " محب المسيح ".  كما كان عداؤه للفرس واللخميين مستحكماً، لدرجةٍ تمنعه من التعاون معهم مهما كان المقابل اوالدافع.  فقد قدم المنذر إبن الحارث قرباناً للعزى بعد أسره في إحدى الغزوات في عام 554 م، حيث اعتبر البعض هذه الواقعة دليلاً على عدم صحة خيانة الحارث.  كما قُتل ابنٌ آخر للحارث في معركة أخرى مع الفرس واللخميين.  
كما يشيرالبعض الى ان بعض المؤرخين اللاتين اعتادوا تحميل مسؤولية هزائمهم الى السريان والعرب.[2]في العام 561 م عقدت اتفاقية صلح بين الإمبراطوريتين.  وفي هذه المرة أخذ العرب في الجانبين، حقهم كطرف من أطراف الصلح مثلما كانوا وقت القتال.  بل نالوا بعض المطالب مثل حق توريث الحكم والإعفاء من الإتاوات المدفوعة على البضائع التي يتاجرون بها.
في العام 563 م سافر الحارث الى القسطنطينية، حيث قابل الإمبراطور وتحادث معه في أمر أتباع المذهب المونوفيزي - الطبيعة الواحدة - والذين كان أكثرهم من العرب والسريان والشعوب المشرقية الأخرى، والذين كانوا يحظون بتأييد الملك الحارث حيث أخذ معه رسالتهم المذهبية وطلب اعتمادها من قبل بطاركة واساقفة القسطنطينية، فوقع عليها سبعة وامتنع اثنان، فغضب الحارث واتهمهما بالهرطقة.
وكان الحارث قد نجح قبل ذلك في تنصيب اثنين من المشارقة كأسقفين.
مات الملك الحارث في العام 567 م، بعد مرور أقل من عامين على موت جستنيان.  وورثه إبنه المنذر بينما ورث جستنيان إبنه جسطين.
مات الملك الحارث، الملك القوي الذي كان حليفاً للروم ولم يكن تابعاً لهم، فقد كان الحكام التابعين يسمون فيلارخ، ولم يكن لقب ملك يمنح لأحد غير الإمبراطور تمهيداً لتتويجه إمبراطوراً.  لقد حافظ الحارث على حقه وحق شعبه بالإختلاف المذهبي ونجح في تنصيب أسقف عربي، محققاً بذلك أمنية قديمة للعرب تعبر عن رغبتهم في الإستقلال الروحي. 

تعلمنا سيرة الملك العربي الحارث دروساً كثيرة من بينها كيفية إدارة علاقة تتسم بالإختلاف ضمن إطار عام لتحالف يبدو أزلي.  كان الملك الحارث يتأرجح في ثقافته بين بداوة العرب ومدنية الرومان، ويبدو أنه فعل ذلك ببراعة.   
                                                                                                   نديم أسـعد  
 

 
 

 

تعليقات

لا يوجد تعليقات

الإسم   
البريد الإليكتروني (ليس للنشر)    
التعليق  
هل توافق على الانضمام لمجموعتنا البريدية؟
  أرسل


 

Counter